تفسير: يا أيها الذين آمنوا…، الآية 118 من سورة آل عمران

الآية 118 من سورة آل عمران

قال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ) [آل عمران - الآية 118]

تفسير جلالين

«يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة» أصفياء تطلعونهم على سرِّكم «من دونكم» أي غيركم من اليهود والنصارى والمنافقين «لا يألونكم خبالا» نصب بنزع الخافض أي لا يقصرون لكم في الفساد «ودُّوا» تمنَّوا «ما عنتم» أي عنتكم وهو شدة الضرر «قد بدت» ظهرت «البغضاء» العداوة لكم «من أفواههم» بالوقيعة فيكم وإطلاع المشركين على سركم «وما تخفي صدورهم» من العداوة «أكبر قد بينا لكم الآيات» على عدواتهم «إن كنتم تعقلون» ذلك فلا توالوهم.

تفسير السعدي

ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا بطانة من المنافقين من أهل الكتاب وغيرهم يظهرونهم على سرائرهم أو يولونهم بعض الأعمال الإسلامية وذلك أنهم هم الأعداء الذين امتلأت قلوبهم من العداوة والبغضاء فظهرت على أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر مما يسمع منهم فلهذا لا يألونكم خبالا أي: لا يقصرون في حصول الضرر عليكم والمشقة وعمل الأسباب التي فيها ضرركم ومساعدة الأعداء عليكم قال الله للمؤمنين قد بينا لكم الآيات أي: التي فيها مصالحكم الدينية والدنيوية لعلكم تعقلون فتعرفونها وتفرقون بين الصديق والعدو، فليس كل أحد يجعل بطانة، وإنما العاقل من إذا ابتلي بمخالطة العدو أن تكون مخالطة في ظاهره ولا يطلعه من باطنه على شيء ولو تملق له وأقسم أنه من أوليائه.

تفسير بن كثير

يقول تبارك وتعالى ناهيا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة ، أي : يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم ، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خبالا أي : يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن ، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة ، ويودون ما يعنت المؤمنين ويخرجهم ويشق عليهم.

وقوله : ( لا تتخذوا بطانة من دونكم ) أي : من غيركم من أهل الأديان ، وبطانة الرجل : هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخل أمره.

وقد روى البخاري ، والنسائي ، وغيرهما ، من حديث جماعة ، منهم : يونس ، ويحيى بن سعيد ، وموسى بن عقبة ، وابن أبي عتيق - عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه ، والمعصوم من عصم الله ".

وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام ، عن الزهري ، عن أبي سلمة [ عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه فيحتمل أنه عند الزهري عن أبي سلمة ] عنهما.

وأخرجه النسائي عن الزهري أيضا وعلقه البخاري في صحيحه فقال : وقال عبيد الله بن أبي جعفر ، عن صفوان بن سليم ، عن أبي سلمة ، عن أبي أيوب الأنصاري ، فذكره.

فيحتمل أنه عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو أيوب محمد بن الوزان ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن أبي حيان التيمي عن أبي الزنباع ، عن ابن أبي الدهقانة قال : قيل لعمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : إن هاهنا غلاما من أهل الحيرة ، حافظ كاتب ، فلو اتخذته كاتبا ؟ فقال : قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين.

ففي هذا الأثر مع هذه الآية دلالة على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة ، التي فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب ، ولهذا قال تعالى : ( لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم ).

وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا إسحاق بن إسرائيل ، حدثنا هشيم ، حدثنا العوام ، عن الأزهر بن راشد قال : كانوا يأتون أنسا ، فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو ، أتوا الحسن - يعني البصري - فيفسره لهم.

قال : فحدث ذات يوم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تستضيئوا بنار المشركين ، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا فلم يدروا ما هو ، فأتوا الحسن فقالوا له : إن أنسا حدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تستضيئوا بنار الشرك ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا " فقال الحسن : أما قوله : " ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا " محمد صلى الله عليه وسلم.

وأما قوله : " لا تستضيئوا بنار الشرك " يقول : لا تستشيروا المشركين في أموركم.

ثم قال الحسن : تصديق ذلك في كتاب الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ).

هكذا رواه الحافظ أبو يعلى ، رحمه الله ، وقد رواه النسائي عن مجاهد بن موسى ، عن هشيم.

ورواه الإمام أحمد ، عن هشيم بإسناده مثله ، من غير ذكر تفسير الحسن البصري.

وهذا التفسير فيه نظر ، ومعناه ظاهر : " لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا أي : بخط عربي ، لئلا يشابه نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان نقشه محمد رسول الله ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن ينقش أحد على نقشه.

وأما الاستضاءة بنار المشركين ، فمعناه : لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم ، بل تباعدوا منهم وهاجروا من بلادهم ، ولهذا روى أبو داود [ رحمه الله ] لا تتراءى ناراهما " وفي الحديث الآخر : " من جامع المشرك أو سكن معه ، فهو مثله " ، فحمل الحديث على ما قاله الحسن ، رحمه الله ، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر ، والله أعلم.

ثم قال تعالى : ( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ) أي : قد لاح على صفحات وجوههم ، وفلتات ألسنتهم من العداوة ، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله ، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل ، ولهذا قال : ( قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ).

تفسير الوسيط للطنطاوي

قال الفخر الرازي ما ملخصه: اختلفوا في الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم؟فقيل هم اليهود، لأن بعض المسلمين كانوا يشاورونهم في أمورهم ويؤانسونهم لما كان فيهم من الرضاع والحلف.

وقيل هم المنافقون، وذلك لأن بعض المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوالهم فيفشون إليهم الأسرار والصحيح أن المراد بهم جميع أصناف الكفار، والدليل عليه قوله تعالى:بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين، فيكون ذلك نهيا عن جميع الكفار».

والبطانة في الأصل: داخل الثوب، وجمعها بطائن.

قال- تعالى-: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ.

وظاهر الثوب يسمى الظهارة، والبطانة- أيضا- الثوب الذي يجعل تحت ثوب آخر ويسمى الشعار، وما فوقه الدثار وفي الحديث «الأنصار شعار والناس دثار».

ثم أطلقت البطانة على صديق الرجل وصفيه الذي يطلع على شئونه الخفية تشبيها ببطانة الثياب في شدة القرب من صاحبها.

قال الشاعر:أولئك خلصائى نعم وبطانتى.

وهم عيبتي من دون كل قريبوقوله: مِنْ دُونِكُمْ أى من غير أهل ملتكم.

والمعنى: لا يجوز لكم- أيها المؤمنون- أن تتخذوا من غير أهل ملتكم أصفياء وأولياء تلقون إليهم بأسراركم التي لا يصح لكم أن تطلعوهم عليها، لأنكم لو فعلتم ذلك لأصابكم الضرر في دينكم ودنياكم.

قال القرطبي: «نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء ويسندون إليهم أمورهم.

وفي سنن أبى داود عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».

وقيل لعمر بن الخطاب- رضى الله عنه- إن هاهنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين».

ثم قال القرطبي- رحمه الله: قلت وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء.

روى البخاري عن أبى سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه.

وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه، والمعصوم من عصمه الله».

وصدر- سبحانه- النداء بوصف الإيمان، للإشعار بأن مقتضى الإيمان يوجب عليهم ألا يأمنوا من يخالفهم في عقيدتهم على أسرارهم، وألا يتخذوا أعداء الله وأعداءهم أولياء يلقون إليهم بالمودة، وألا يطلعوهم على ما يجب إخفاؤه من شئون وأمور خاصة بالمؤمنين وقوله: مِنْ دُونِكُمْ يجوز أن يكون صفة لبطانة فيكون متعلقا بمحذوف، أى لا تتخذوا بطانة كائنة من غيركم.

ويجوز أن يكون متعلقا بقوله: لا تَتَّخِذُوا أى لا تتخذوا من غير أهل ملتكم بطانة تصافونهم وتطلعونهم على أسراركم.

ثم ذكر- سبحانه- جملة من الأسباب التي تجعل المؤمنين يمتنعون عن مصافاة هؤلاء الذين يخالفونهم في عقيدتهم فقال في بيان أول هذه الأسباب: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وأصل «الألو» :التقصير.

يقال: ألا في الأمر- كغزا- يألو ألوا وألوا، إذا قصر فيه، ومنه قول امرئ القيس:وما المرء ما دامت حشاشة نفسه.

بمدرك أطراف الخطوب ولا آلأراد ولا مقصر، وهو- أى الفعل «يألو» من الأفعال اللازمة التي تتعدى إلى المفعول بالحرف، وقد يستعمل متعديا إلى مفعولين كما في قولهم: لا آلوك نصحا، على تضمين الفعل معنى المنع.

أى لا أمنعك ذلك.

والخبال: الشر والفساد.

وأصله ما يلحق الحيوان من مرض وفتور فيورثه فسادا واضطرابا.

يقال خبله وخبله فهو خابل.

والجمع الخبل ورجل مخبل إذا أصيب بمرض أورثه اضطرابا وفسادا في قواه العقلية والفكرية.

والمعنى: أنهاكم- أيها المؤمنون- عن أن تتخذوا أولياء وأصفياء لكم من غير إخوانكم المؤمنين، لأن هؤلاء الأولياء من غير إخوانكم المؤمنين، لا يقصرون في جهد يبذلونه في إفساد أمركم، وفيما يورثكم شرا وضرا.

أو لا يمنعونكم خبالا، أى أنهم يفعلون معكم ما يقدرون عليه من الفساد ولا يبقون شيئا منه عندهم، بل يبذلون قصارى جهدهم في إلحاق الضرر بكم في دينكم ودنياكم.

وقوله: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا جملة مستأنفة مبينة لحالهم داعية إلى اجتنابهم.

أو صفة لقوله:بِطانَةً.

وقوله: خَبالًا منصوب على أنه المفعول الثاني ليألونكم لتضمينه معنى يمنعونكم.

ويصح أن يكون منصوبا بنزع الخافض أى لا يقصرون لكم عن جهد فيما يورثكم شرا وفسادا.

أما السبب الثاني الذي يحمل المؤمنين على اجتناب هؤلاء الضالين فقد بينه- سبحانه- بقوله: وَدُّوا ما عَنِتُّمْ.

وقوله: وَدُّوا من الود وهو المحبة.

يقال: وددت كذا أى أحببته.

وقوله: عَنِتُّمْ من العنت وهو شدة الضرر والمشقة.

ومنه قوله- تعالى-: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ أى لأوقعكم فيما يشق عليكم.

وما في قوله: ما عَنِتُّمْ هي ما المصدرية.

أى: أن هؤلاء الذين تصافونهم وتفشون إليهم أسراركم مع أنهم ليسوا على ملتكم، بجانب أنهم لا يألون جهدا في إفساد أمركم، فإنهم يحبون عنتكم ومشقتكم وشدة ضرركم، وتفريق جمعكم، وذهاب قوتكم.

فالجملة الأولى وهي قوله: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا بمنزلة المظهر والنتيجة، وهذه.

أى قوله تعالى: وَدُّوا ما عَنِتُّمْ بمنزلة الباعث والدافع.

فهم لا يودون للمسلمين الخير والاطمئنان والأمان، وإنما يودون لهم الشقاء والشرور والخسران.

وليس بعاقل ذلك الذي يطلع من يريد له الشرور على أسراره ودخائله.

وأما السبب الثالث الذي يدعو المؤمنين إلى اجتنابهم فقد بينه الله- تعالى- بقوله: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ.

والبغضاء مصدر كالسراء والضراء، وهي البغض الشديد المتمكن في النفوس، والثابت في القلوب.

أى: قد ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم، وطفح البغض الباطن في قلوبهم لكم حتى خرج من أفواههم، ولاح على صفحات وجوههم، وقد قيل: كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه وفلتات اللسان.

ومع هذا فإن ما تخفيه نفوسهم المريضة لكم من أحقاد وإحن، أكبر مما نطقت به ألسنتهم من بغضاء، إذ أن ما نطقوا به إنما هو بمثابة الرشح الذي ظهر من مسام أجسادهم وقلوبهم، أما ما يبيتونه لكم من شرور وآثام فهو أكبر من ذلك بكثير.

وخص الأفواه بالذكر دون الألسنة.

للإشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم الباطلة، فهم أشد جرما من المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه.

ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة ببيان مظهر من مظاهر فضله على المؤمنين حيث كشف لهم عن أحوال أعدائهم، وعن سوء نواياهم وعن الأسباب التي تدعو إلى الحذر منهم فقال- تعالى-: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.

أى قد بينا لكم العلامات الواضحات، والآيات البينات التي تعرفون بها أعداءكم، وتميزون عن طريقها بين الصديق وبين العدو، إن كنتم من أهل العقل والفهم.

والمقصود من الجملة الكريمة حضهم على استعمال عقولهم بتأمل وتدبر في هذه الآيات التي بينها الله لهم فضلا منه وكرما، وحتى لا يتخذوا بطانة من غير إخوانهم في العقيدة والدين.

وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه، والتقدير: إن كنتم تعقلون ذلك فلا تباطنوهم ولا تفشوا لهم أسراركم.

تفسير البغوي

قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان رجال من المسلمين يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم.

وقال مجاهد : نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) أي : أولياء وأصفياء من غير أهل ملتكم ، وبطانة الرجل : خاصته تشبيها ببطانة الثوب التي تلي بطنه لأنهم يستبطنون أمره ويطلعون منه على ما لا يطلع عليه غيرهم.

ثم بين العلة في النهي عن مباطنتهم فقال جل ذكره ( لا يألونكم خبالا ) أي : لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد ، والخبال : الشر والفساد ، ونصب " خبالا " على المفعول الثاني لأن يألو يتعدى إلى مفعولين وقيل : بنزع الخافض ، أي بالخبال كما يقال أوجعته ضربا ، ( ودوا ما عنتم ) أي : يودون ما يشق عليكم من الضر والشر والهلاك.

والعنت : المشقة ( قد بدت البغضاء ) أي : البغض ، معناه ظهرت أمارة العداوة ، ( من أفواههم ) بالشتيمة والوقيعة في المسلمين ، وقيل : بإطلاع المشركين على أسرار المؤمنين ( وما تخفي صدورهم ) من العداوة والغيظ ، ( أكبر ) أعظم ، ( قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ).

تفسير القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلونفيه ست مسائل :الأولى : أكد الله تعالى الزجر عن الركون إلى الكفار.

وهو متصل بما سبق من قوله : إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب.

والبطانة مصدر ، يسمى به الواحد والجمع.

وبطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره ، وأصله من البطن الذي هو خلاف الظهر.

وبطن فلان بفلان يبطن بطونا وبطانة إذا كان خاصا به.

قال الشاعر :أولئك خلصائي نعم وبطانتي وهم عيبتي من دون كل قريبالثانية : نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء ، يفاوضونهم في الآراء ، ويسندون إليهم أمورهم.

ويقال : كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه ; قال الشاعر :عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتديوفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.

وروي عن ابن مسعود أنه قال : اعتبروا الناس بإخوانهم.

ثم بين تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال : لا يألونكم خبالا يقول فسادا.

يعني لا يتركون الجهد في فسادكم ، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة ، على ما يأتي بيانه.

وروي عن أبي أمامة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا قال : ( هم الخوارج ).

وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا عليه هذه الآية.

وقدم أبو موسى الأشعري على عمر - رضي الله عنهما - بحساب فرفعه إلى عمر فأعجبه ، وجاء عمر كتاب فقال لأبي موسى : أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس ؟ فقال : إنه لا يدخل المسجد.

فقال لم ! أجنب هو ؟ قال : إنه نصراني ; فانتهره وقال : لا تدنهم وقد أقصاهم الله ، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله ، ولا تأمنهم وقد خونهم الله.

وعن عمر - رضي الله عنه - قال : لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا ، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى.

وقيل لعمر ، - رضي الله عنه - : إن هاهنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك ؟ فقال : لا آخذ بطانة من دون المؤمنين.

فلا يجوز استكتاب أهل الذمة ، ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم.

قلت : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء.

روى البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصم الله تعالى.

وروى أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم غريبا.

فسره الحسن بن أبي الحسن فقال : أراد عليه السلام لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم ، ولا تنقشوا في خواتيمكم محمدا.

قال الحسن : وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم الآية.

الثالثة : قوله تعالى : من دونكم أي من سواكم.

قال الفراء : ويعملون عملا دون ذلك أي سوى ذلك.

وقيل : من دونكم يعني في السير وحسن المذهب.

ومعنى لا يألونكم خبالا لا يقصرون فيما فيه الفساد عليكم.

وهو في موضع الصفة ل بطانة من دونكم.

يقال : لا آلو جهدا أي لا أقصر.

وألوت ألوا قصرت ; قال امرؤ القيس :وما المرء ما دامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا آلوالخبال : الخبل.

والخبل : الفساد ; وقد يكون ذلك في الأفعال والأبدان والعقول.

وفي الحديث : ( من أصيب بدم أو خبل ) أي جرح يفسد العضو.

والخبل : فساد الأعضاء ، ورجل خبل ومختبل ، وخبله الحب أي أفسده.

قال أوس :أبني لبينى لستم بيد إلا يدا مخبولة العضدأي فاسدة العضد.

وأنشد الفراء :نظر ابن سعد نظرة وبت بها كانت لصحبك والمطي خبالاأي فسادا.

وانتصب خبالا بالمفعول الثاني ; لأن الألو يتعدى إلى مفعولين ، وإن شئت على المصدر ، أي يخبلونكم خبالا : وإن شئت بنزع الخافض ، أي بالخبال ; كما قالوا : أوجعته ضربا : " وما " في قوله : ودوا ما عنتم مصدرية ، أي ودوا عنتكم.

أي ما يشق عليكم.

والعنت المشقة ، وقد مضى في " البقرة " معناه.

الرابعة : قوله تعالى : قد بدت البغضاء من أفواههم يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم.

والبغضاء : البغض ، وهو ضد الحب.

والبغضاء مصدر مؤنث.

وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه ، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه.

ومن هذا المعنى نهيه عليه السلام أن يشتحي الرجل فاه في عرض أخيه.

معناه أن يفتح ; يقال : شحى الحمار فاه بالنهيق ، وشحى الفم نفسه.

وشحى اللجام فم الفرس شحيا ، وجاءت الخيل شواحي : فاتحات أفواهها.

ولا يفهم من هذا الحديث دليل خطاب على الجواز فيأخذ أحد في عرض أخيه همسا ; فإن ذلك يحرم باتفاق من العلماء.

وفي التنزيل ولا يغتب بعضكم بعضا الآية.

وقال - صلى الله عليه وسلم - : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام.

فذكر الشحو إنما هو إشارة إلى التشدق والانبساط ، فاعلم.

الخامسة : وفي هذه الآية دليل على أن شهادة العدو على عدوه لا يجوز ، وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز ; وروي عن أبي حنيفة جواز ذلك.

وحكى ابن بطال عن ابن شعبان أنه قال : أجمع العلماء على أنه لا تجوز شهادة العدو على عدوه في شيء وإن كان عدلا ، والعداوة تزيل العدالة فكيف بعداوة كافر.

السادسة : قوله تعالى : وما تخفي صدورهم أكبر إخبار وإعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم.

وقرأ عبد الله بن مسعود : " قد بدأ البغضاء " بتذكير الفعل ; لما كانت البغضاء بمعنى البغض.

تفسير الطبري

القول في تأويل قوله : مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: شَبَهُ ما ينفق الذين كفروا، أي: شَبَهُ ما يتصدق به الكافر من ماله، (4) فيعطيه من يعطيه على وجه القُربة إلى ربّه وهو لوحدانية الله جاحد، ولمحمد صلى الله عليه وسلم مكذب، في أن ذلك غير نافعه مع كفره، وأنه مضمحلّ عند حاجته إليه، ذاهبٌ بعد الذي كان يرجو من عائدة نفعه عليه = كشبه ريح فيها برد شديد، أصابت هذه الريح التي فيها البرد الشديد =" حرثَ قوم "، (5) يعني: زرع قوم قد أمَّلوا إدراكه، ورجَوْا رَيْعه وعائدة نفعه =" ظلموا أنفسهم "، يعني: أصحاب الزرع، عصوا الله، وتعدَّوا حدوده =" فأهلكته "، يعني: فأهلكت الريح التي فيها الصرُّ زرعهم ذلك، بعد الذي كانوا عليه من الأمل ورجاء عائدة نفعه عليهم.

يقول تعالى ذكره: فكذلك فعل الله بنفقة الكافر وصدقته في حياته، حين يلقاه، يبطل ثوابها ويخيب رجاؤه منها.

وخرج المثَل للنفقة، والمراد ب " المثل " صنيع الله بالنفقة، فبيَّن ذلك قوله: " كمثل ريح فيها صرٌّ"، فهو كما قد بيّنا في مثله قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا (6) [سورة البقرة: 17] وما أشبه ذلك.

* * *قال أبو جعفر: فتأويل الكلام،: مثل إبطال الله أجرَ ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا، كمثل ريح فيها صر.

وإنما جاز ترك ذكر " إبطال الله أجر ذلك "، لدلالة آخر الكلام عليه، وهو قوله: " كمثل ريح فيها صرٌّ"، ولمعرفة السامع ذلك معناه.

* * *واختلف أهل التأويل في معنى " النفقة " التي ذكرها في هذه الآية.

فقال بعضهم: هي النفقة المعروفة في الناس.

*ذكر من قال ذلك:7667- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا "، قال: نفقة الكافر في الدنيا.

* * *وقال آخرون: بل ذلك قوله الذي يقوله بلسانه، مما لا يصدِّقه بقلبه.

*ذكر من قال ذلك:7668- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرثَ قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته "، يقول: مثل ما يقول فلا يقبل منه، كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون، فأصابه ريح فيها صر، أصابته فأهلكته.

فكذلك أنفقوا فأهلكهم شِرْكهم.

* * *وقد بينا أولى ذلك بالصواب قبل.

* * *وقد تقدم بياننا تأويل " الحياة الدنيا " بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع.

(7)* * *وأما " الصر " فإنه شدة البرد، وذلك بعُصُوف من الشمال في إعصار الطَّلّ والأنداء، في صبيحة مُعْتمة بعقب ليلة مصحية، (8) كما:7669- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن عثمان بن غياث قال، سمعت عكرمة يقول: " ريح فيها صر "، قال: بردٌ شديد.

7670- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: " ريح فيها صر "، قال: برد شديد وزمهرير.

7671- حدثنا علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " ريح فيها صر "، يقول: برد.

7672- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس: " الصر "، البرد.

7673- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " كمثل ريح فيها صر "، أي: برد شديد.

7674- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

7675- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي في" الصر "، البرد الشديد.

7676- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثنا عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " كمثل ريح فيها صر "، يقول: ريح فيها برد.

7677- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " ريح فيها صر "، قال: " صر "، باردة أهلكت حرثهم.

قال: والعرب تدعوها " الضَّريب "، تأتي الريح باردة فتصبح ضريبًا قد أحرق الزرع، (9) تقول: " قد ضُرب الليلة " أصابه ضريبُ تلك الصر التي أصابته.

7678- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا جويبر، عن الضحاك: " ريح فيها صر "، قال: ريح فيها برد.

* * *القول في تأويل قوله : وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وما فعل الله بهؤلاء الكفار ما فعل بهم، من إحباطه ثواب أعمالهم وإبطاله أجورها ظلمًا منه لهم = يعني: وضعًا منه لما فعل بهم من ذلك في غير موضعه وعند غير أهله، بل وضَع فعله ذلك في موضعه، وفعل بهم ما هم أهله.

لأن عملهم الذي عملوه لم يكن لله وهم له بالوحدانية دائنون، ولأمره مُتبعون، ولرسله مصدقون، بل كان ذلك منهم وهم به مشركون، ولأمره مخالفون، ولرسله مكذبون، بعد تقدُّم منه إليهم أنه لا يقبل عملا من عامل إلا مع إخلاص التوحيد له، والإقرار بنبوة أنبيائه، وتصديق ما جاءوهم به، وتوكيده الحجج بذلك عليهم.

فلم يكن = بفعله ما فعل بمن كفر به وخالف أمره في ذلك = بعد الإعذار إليه، (10) من إحباط وَفْر عمله = له ظالمًا، بل الكافرُ هو الظالم نفسه، لإكسابها من معصية الله وخلاف أمره، ما أوردها به نار جهنم، وأصلاها به سعير سقَرَ.

(11)-------------------الهوامش :(4) انظر تفسير"النفقة" فيما سلف 5: 555 ، 580 / 6: 265.

(5) انظر تفسير"الحرث" فيما سلف 4: 240 ، 397 / 6: 257.

(6) انظر ما سلف 1: 318 - 328.

(7) انظر ما سلف 1: 314 ، 316.

(8) هذا البيان عن معنى"الصر" قلما تصيب مثله في كتب اللغة.

(9) الضريب: الصقيع والجليد.

(10) في المطبوعة والمخطوطة: "الاعتذار إليه" ، وهو خطأ صرف.

وأعذر إعذارًا: أي بلغ الغاية في البلاغ ، ومنه قولهم: "أعذر من أنذر" ، أي بالغ في الإنذار حتى بان عذره ، إذا أنزل بمن أنذره ما يسوءه.

وقوله: "وفر عمله" أي كثير عمله ووافره.

و"الوفر" (بفتح فسكون).

وكان في المطبوعة"وافر عمله" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11) سياق الجملة: "فلم يكن.

له ظالما" ، وما بينهما فصل للبيان متعلق بقوله: "ظالما" ولكنه مقدم عليه.