تفسير: ولقد نصركم الله ببدر…، الآية 123 من سورة آل عمران

الآية 123 من سورة آل عمران

قال تعالى: (وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ) [آل عمران - الآية 123]

تفسير جلالين

ونزل لما هزموا تذكيرا لهم بنعمة الله «ولقد نصركم الله ببدر» موضع بين مكة والمدينة «وأنتم أذلة» بقلة العدد والسلاح «فاتقوا الله لعلكم تشكرون» نعمه.

تفسير السعدي

وهذا امتنان منه على عباده المؤمنين، وتذكير لهم بما نصرهم به يوم بدر وهم أذلة في قلة عَددهم وعُددهم مع كثرة عدد عدوهم وعُددهم، وكانت وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بثلاث مئة وبضعة عشر من أصحابه، ولم يكن معهم إلا سبعون بعيرا وفرسان لطلب عير لقريش قدمت من الشام، فسمع به المشركون فتجهزوا من مكة لفكاك عيرهم، وخرجوا في زهاء ألف مقاتل مع العدة الكاملة والسلاح العام والخيل الكثيرة، فالتقوا همم والمسلمون في ماء يقال له "بدر" بين مكة والمدينة فاقتتلوا، ونصر الله المسلمين نصرا عظيما، فقتلوا من المشركين سبعين قتيلا من صناديد المشركين وشجعانهم، وأسروا سبعين، واحتووا على معسكرهم ستأتي - إن شاء الله - القصة في سورة الأنفال، فإن ذلك موضعها، ولكن الله تعالى هنا أتى بها ليتذكر بها المؤمنون ليتقوا ربهم ويشكروه، فلهذا قال فاتقوا الله لعلكم تشكرون لأن من اتقى ربه فقد شكره، ومن ترك التقوى فلم يشكره، إذ تقول يا محمد للمؤمنين يوم بدر مبشرا لهم بالنصر.

تفسير بن كثير

وقوله : ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) أي : يوم بدر ، وكان في جمعة وافق السابع عشر من رمضان ، من سنة اثنتين من الهجرة ، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله ، ودمغ فيه الشرك وخرب محله ، [ هذا ] مع قلة عدد المسلمين يومئذ ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فيهم فرسان وسبعون بعيرا ، والباقون مشاة ، ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه ، وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض ، والعدة الكاملة والخيول المسومة والحلي الزائد ، فأعز الله رسوله ، وأظهر وحيه وتنزيله ، وبيض وجه النبي وقبيله ، وأخزى الشيطان وجيله ولهذا قال تعالى - ممتنا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين : ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) أي : قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله ، لا بكثرة العدد والعدد ، ولهذا قال في الآية الأخرى : ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا [ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ] والله غفور رحيم ) [ التوبة : 25 - 27 ].

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن سماك قال : سمعت عياضا الأشعري قال : شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء : أبو عبيدة ، ويزيد بن أبي سفيان ، وابن حسنة ، وخالد بن الوليد ، وعياض - وليس عياض هذا الذي حدث سماكا - قال : وقال عمر ، رضي الله عنه : إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة.

قال : فكتبنا إليه إنه قد جاش إلينا الموت ، واستمددناه ، فكتب إلينا : إنه قد جاءني كتابكم تستمدونني وإني أدلكم على من هو أعز نصرا ، وأحصن جندا : الله عز وجل ، فاستنصروه ، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم قد نصر يوم بدر في أقل من عدتكم ، فإذا جاءكم كتابي فقاتلوهم ولا تراجعوني.

قال فقاتلناهم فهزمناهم أربعة فراسخ ، قال : وأصبنا أموالا فتشاورنا ، فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل ذي رأس عشرة.

قال : وقال أبو عبيدة : من يراهنني ؟ فقال شاب : أنا ، إن لم تغضب.

قال : فسبقه ، فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تنقزان وهو خلفه على فرس عري.

وهذا إسناد صحيح وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث بندار ، عن غندر ، بنحوه ، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه.

وبدر محلة بين مكة والمدينة ، تعرف ببئرها ، منسوبة إلى رجل حفرها يقال له : " بدر بن النارين ".

قال الشعبي : بدر بئر لرجل يسمى بدرا.

وقوله : ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) أي : تقومون بطاعته.

تفسير الوسيط للطنطاوي

ثم ذكرهم- سبحانه- بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال- تعالى-: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ.

وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين.

والأذلة- كما يقول الزمخشري: جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين.

وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد.

وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة- أى السلاح والقوة-.

وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس.

أو كانوا راضين بالهوان.

وإنما المراد أنهم كانوا قليلي العدد والعدد، فقراء في الأموال وفي وسائل القتال.

وفي هذا التذكير لهم بما حدث في غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيرا ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم- سبحانه- بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى.

تفسير البغوي

قوله تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر ) وبدر موضع بين مكة والمدينة وهو اسم لموضع ، وعليه الأكثرون وقيل : اسم لبئر هناك ، وقيل : كانت بدر بئرا لرجل يقال له بدر ، قاله الشعبي وأنكر الآخرون عليه.

يذكر الله تعالى في هذه الآية منته عليهم بالنصرة يوم بدر ، ( وأنتم أذلة ) جمع : ذليل وأراد به قلة العدد فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فنصرهم الله مع قلة عددهم ، ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ).

تفسير القرطبي

قوله تعالى : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرونفيه مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولقد نصركم الله ببدر كانت بدر يوم سبعة عشر من رمضان ، يوم جمعة لثمانية عشر شهرا من الهجرة ، وبدر ماء هنالك وبه سمي الموضع.

وقال الشعبي : كان ذلك الماء لرجل من جهينة يسمى بدرا ، وبه سمي الموضع.

والأول أكثر.

وقال الواقدي وغيره : بدر اسم لموضع غير منقول.

وسيأتي في قصة بدر في " الأنفال " إن شاء الله تعالى.

و ( أذلة ) معناها قليلون ; وذلك أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلا.

وكان عددهم ما بين التسعمائة إلى الألف.

وأذلة جمع ذليل.

واسم الذل في هذا الموضع مستعار ، ولم يكونوا في أنفسهم إلا أعزة ، ولكن نسبتهم إلى عدوهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند التأمل ذلتهم وأنهم يغلبون.

والنصر العون ; فنصرهم الله يوم بدر ، وقتل فيه صناديد المشركين ، وعلى ذلك اليوم ابتني الإسلام ، وكان أول قتال قاتله النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وفي صحيح مسلم عن بريدة قال : غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع عشرة غزوة ، قاتل في ثمان منهن.

وفيه عن ابن إسحاق قال : لقيت زيد بن أرقم فقلت له : كم غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال تسع عشرة غزوة.

فقلت : فكم غزوت أنت معه ؟ فقال : سبع عشرة غزوة.

قال فقلت : فما أول غزوة غزاها ؟ قال : ذات العسير أو العشير.

وهذا كله مخالف لما عليه أهل التواريخ والسير.

قال محمد بن سعد في كتاب الطبقات له : إن غزوات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع وعشرون غزوة ، وسراياه ست وخمسون ، وفي رواية ست وأربعون ، والتي قاتل فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بدر وأحد والمريسيع والخندق وخيبر وقريظة والفتح وحنين والطائف.

قال ابن سعد : هذا الذي اجتمع لنا عليه.

وفي بعض الروايات أنه قاتل في بني النضير وفي وادي القرى منصرفه من خيبر وفي الغابة.

وإذا تقرر هذا فنقول : زيد وبريدة إنما أخبر كل واحد منهما بما في علمه أو شاهده.

وقول زيد : " إن أول غزاة غزاها ذات العسيرة " مخالف أيضا لما قال أهل التواريخ والسير.

قال محمد بن سعد : كان قبل غزوة العشيرة ثلاث غزوات ، يعني غزاها بنفسه.

وقال ابن عبد البر في كتاب الدرر في المغازي والسير.

أول غزاة غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة ودان غزاها بنفسه في صفر ; وذلك أنه وصل إلى المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، أقام بها بقية ربيع الأول ، وباقي العام كله.

إلى صفر من سنة اثنتين من الهجرة : ثم خرج في صفر المذكور واستعمل على المدينة سعد بن عبادة حتى بلغ ودان فوادع بني ضمرة ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا ، وهي المسماة بغزوة الأبواء.

ثم أقام بالمدينة إلى شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة ، ثم خرج فيها واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون حتى بلغ بواط من ناحية رضوى ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا ، ثم أقام بها بقية ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى ، ثم خرج غازيا واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد ، وأخذ على طريق ملك إلى العسيرة.

قلت : ذكر ابن إسحاق عن عمار بن ياسر قال : كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع فلما نزلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقام بها شهرا فصالح بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة فوادعهم ; فقال لي علي بن أبي طالب : هل لك أبا اليقظان أن تأتي هؤلاء - نفر من بني مدلج يعملون في عين لهم - ننظر كيف يعملون ؟ فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ثم غشينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض فنمنا فيه ; فوالله ما أهبنا إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدمه ; فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي : ( ما بالك يا أبا تراب ) ; فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال : ( ألا أخبركم بأشقى الناس رجلين ) قلنا : بلى يا رسول الله ; فقال : ( أحيمر ثمود الذي عقر الناقة ، والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على رأسه - حتى يبل منها هذه ) ووضع يده على لحيته.

فقال أبو عمر : فأقام بها بقية جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة ، ووادع فيها بني مدلج ثم رجع ولم يلق حربا.

ثم كانت بعد ذلك غزوة بدر الأولى بأيام قلائل ، هذا الذي لا يشك فيه أهل التواريخ والسير ، فزيد بن أرقم إنما أخبر عما عنده ، والله أعلم.

ويقال : ذات العسير بالسين والشين ، ويزاد عليها هاء فيقال : العشيرة.

ثم غزوة بدر الكبرى وهي أعظم المشاهد فضلا لمن شهدها ، وفيها أمد الله بملائكته نبيه والمؤمنين في قول جماعة العلماء ، وعليه يدل ظاهر الآية ، لا في يوم أحد.

ومن قال : إن ذلك كان يوم أحد جعل قوله تعالى : ولقد نصركم الله ببدر إلى قوله : تشكرون اعتراضا بين الكلامين.

هذا قول عامر الشعبي ، وخالفه الناس.

وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت ; ومن ذلك قول أبي أسيد بن مالك بن ربيعة وكان شهيد بدر : لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة ، لا أشك ولا أمتري.

رواه عقيل عن الزهري عن أبي حازم سلمة بن دينار.

قال ابن أبي حاتم : لا يعرف للزهري عن أبي حازم غير هذا الحديث الواحد ، وأبو أسيد يقال إنه آخر من مات من أهل بدر ; ذكره أبو عمر في الاستيعاب وغيره.

وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا ، فاستقبل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آت ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي الله ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ; فأنزل الله عز وجل : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين فأمده الله تعالى بالملائكة.

قال أبو زميل : فحدثني ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم ; فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا ، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع.

فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة ) فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.

وذكر الحديث.

وسيأتي تمامه في آخر " الأنفال " إن شاء الله تعالى.

فتظاهرت السنة والقرآن على ما قاله الجمهور ، والحمد لله.

وعن خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجبريل : ( من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم ؟ ) فقال جبريل : ( يا محمد ما كل أهل السماء أعرف ).

وعن علي - رضي الله عنه - أنه خطب الناس فقال : بينا أنا أمتح من قليب بدر جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قط ، ثم ذهبت ، ثم جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قط إلا التي كانت قبلها.

قال : وأظنه ذكر : ثم جاءت ريح شديدة ، فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر عن يمينه ، وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا في الميسرة.

وعن سهل بن حنيف - رضي الله عنه - قال : لقد رأيتنا يوم بدر وأن أحدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه.

وعن الربيع بن أنس قال : كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به ; ذكر جميعه البيهقي رحمه الله.

وقال بعضهم : إن الملائكة كانوا يقاتلون وكانت علامة ضربهم في الكفار ظاهرة ; لأن كل موضع أصابت ضربتهم اشتعلت النار في ذلك الموضع ، حتى إن أبا جهل قال لابن مسعود : أنت قتلتني ؟ إنما قتلني الذي لم يصل سناني إلى سنبك فرسه وإن اجتهدت.

وإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة لتسكين قلوب المؤمنين ; ولأن الله تعالى جعل أولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة ; فكل عسكر صبر واحتسب تأتيهم الملائكة ويقاتلون معهم.

وقال ابن عباس ومجاهد : لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر ، وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون إنما يكونون عددا أو مددا.

وقال بعضهم : إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يدعون ويسبحون ، ويكثرون الذين يقاتلون يومئذ ; فعلى هذا لم تقاتل الملائكة يوم بدر وإنما حضروا للدعاء بالتثبيت ، والأول أكثر.

قال قتادة : كان هذا يوم بدر ، أمدهم الله بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم صاروا خمسة آلاف ; فذلك قوله تعالى : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وقوله : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين وقوله : بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين فصبر المؤمنون يوم بدر واتقوا الله فأمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة على ما وعدهم ; فهذا كله يوم بدر.

وقال الحسن : فهؤلاء الخمسة آلاف ردء للمؤمنين إلى يوم القيامة.

قال الشعبي : بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى المسلمين ;.

تفسير الطبري

القول في تأويل قوله : إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والله سميع عليم، حين همت طائفتان منكم أن تفشلا.

والطائفتان اللتان همتا بالفشل، ذكر لنا أنهم بنو سَلِمة وبنو حارثة.

(1)*ذكر من قال ذلك:7720- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، قال: بنو حارثة، كانوا نحو أحُد، وبنو سلِمة نحو سَلْع، وذلك يوم الخندق.

* * *قال أبو جعفر: وقد دللنا على أن ذلك كان يوم أحد فيما مضى، بما فيه الكفاية عن إعادته.

(2)* * *7721- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، الآية، وذلك يوم أحد، والطائفتان: بنو سلِمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار، همُّوا بأمر فعصمهم الله من ذلك = قال قتادة: وقد ذكر لنا أنه لما أنزلت هذه الآية قالوا: ما يسرُّنا أنَّا لم نَهُمَّ بالذي هممنا به، وقد أخبرنا الله أنه ولينا.

7722- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " إذ همت طائفتان منكم " الآية، وذلك يوم أحد، فالطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار.

فذكر مثل قول قتادة.

7723- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبروا.

فلما رجع عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلاثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعنَّ معنا = وقال [الله عز وجل]: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، وهم بنو سلمة وبنو حارثة = هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله، وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمئة.

(3)7724- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة: نزلت في بني سلِمة من الخزرج، وبني حارثة من الأوس، ورأسهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول.

7725- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، فهو بنو حارثة وبنو سلمة.

7726- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، والطائفتان: بنو سلمة من جشم بن الخزرج، وبنو حارثة من النبيت من الأوس، وهما الجناحان.

(4)7727- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا " الآية، قال: هما طائفتان من الأنصار هَّما أن يفشلا فعصمهم الله، وهزَم عدوهم.

7728- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "،قال: هم بنو سلمة وبنو حارثة، وما نحبُّ أن لو لم نكن هممنا لقول الله عز وجلّ: " والله وليهما ".

(5).

7729- حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول، فذكر نحوه.

7730- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، قال: هذا يوم أحد.

* * *وأما قوله: " أن تفشلا "، فإنه يعني: همَّا أن يضعفا ويجبنا عن لقاء عدوّهما.

* * *=يقال منه: " فشل فلان عن لقاء عدوه ويفشل فشلا "، كما:-7731- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " الفشل "، الجبن.

* * *قال أبو جعفر: وكان همُّهما الذي همَّا به من الفشل، الانصرافَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حين انصرف عنهم عبد الله بن أبي ابن سلول بمن معه، جبنًا منهم، من غير شك منهم في الإسلام ولا نفاق، فعصمهم الله مما هموا به من ذلك، ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجهه الذي مضى له، وتركوا عبد الله بن أبي ابن سلول والمنافقين معه، فأثنى الله عز وجل عليهما بثبوتهما على الحق، وأخبر أنه وليُّهما وناصرهما على أعدائهما من الكفار، (6) كما:7732- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " والله وليُهما "، أي: المدافع عنهما ما همَّتا به من فشلهما.

(7) وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما، من غير شك أصابهما في دينهما، فتولى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته حتى سلمتا من وهنهما وضعفهما، ولحقتا بنبِّيهما صلى الله عليه وسلم.

يقول: " وعلى الله فليتوكل المؤمنون "، أي: من كان به ضعف من المؤمنين أو وهَن،فليتوكل عليّ، وليستعن بي أعنِه على أمره، وأدفع عنه، حتى أبلغ به وأقوّيه على نيته.

(8)* * *قال أبو جعفر: وذكر أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقرأ: (وَاللهُ وَليُّهُمْ)، وإنما جاز أن يقرأ ذلك كذلك، لأن " الطائفتين " وإن كانتا في لفظ اثنين، فإنهما في معنى جماع، بمنزلة " الخصمين " و " الحزبين ".

(9)-------------------------الهوامش :(1) انظر ضبط"سلمة" ص: 161 تعليق: 1.

(2) انظر ما سلف ص : 161 وما قبلها.

(3) الأثر: 7723- في تاريخ الطبري 3: 12 ، وهو تمام الأثر السالف رقم: 7177 ، والزيادة بين القوسين من التاريخ.

(4) الأثر: 7726- سيرة ابن هشام 3: 112 ، وهو من تتمة الأثر السالف رقم: 7791.

(5) الأثر: 7728- رواه البخاري في صحيحه (الفتح 7: 275 / 8: 169) من طريق علي بن عبد الله ، عن سفيان بن عيينة ، بغير هذا اللفظ.

وكان في المطبوعة: "وما نحب أن لو لم تكن همتا" ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة ، ولكن الناشر لم يحسن قراءتها.

(6) انظر تفسير"الولي" فيما سلف 6: 497 تعليق: 1.

والمراجع هناك.

(7) في المطبوعة: "الدافع عنهما" ، وأثبت ما في المخطوطة وسيرة ابن هشام.

وفي المطبوعة والمخطوطة"ما هما به" ، وهو صواب ، ولكني أثبت نص ابن هشام ، فهو أقوم على السياق ، والتصحيف في مثل هذا قريب ، ولست أظنه من أصل الطبري.

(8) الأثر: 7732- سيرة ابن هشام 3: 112 ، 113 ، وهو من سياق الأثر السالف رقم: 7726.

(9) انظر معاني القرآن للفراء 1: 133.