تفسير: بلى إن تصبروا وتتقوا…، الآية 125 من سورة آل عمران

الآية 125 من سورة آل عمران

قال تعالى: (بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ) [آل عمران - الآية 125]

تفسير جلالين

«بلى» يكفيكم ذلك وفي الأنفال بألف لأنه أمدهم أولا بها ثم صارت ثلاثة ثم صارت خمسة كما قال تعالى «إن تصبروا» على لقاء العدو «وتتقوا» الله في المخالفة «ويأتوكم» أي المشركون «من فورهم» وقتهم «هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مُسَوَّمينَ» بكسر الواو وفتحها أي معلمين وقد صبروا وأنجز الله وعده بأن قاتلت معهم الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم.

تفسير السعدي

بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا أي: من مقصدهم هذا، وهو وقعة بدر يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين أي: معلمين بعلامة الشجعان، فشرط الله لإمدادهم ثلاثة شروط: الصبر، والتقوى، وإتيان المشركين من فورهم هذا، فهذا الوعد بإنزال الملائكة المذكورين وإمدادهم بهم، وأما وعد النصر وقمع كيد الأعداء فشرط الله له الشرطين الأولين كما تقدم في قوله: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا.

تفسير بن كثير

وقوله : ( بلى إن تصبروا وتتقوا ) يعني : تصبروا على مصابرة عدوكم وتتقوني وتطيعوا أمري.

وقوله : ( ويأتوكم من فورهم هذا ) قال الحسن ، وقتادة ، والربيع ، والسدي : أي من وجههم هذا.

وقال مجاهد ، وعكرمة ، وأبو صالح : أي من غضبهم هذا.

وقال الضحاك : من غضبهم ووجههم.

وقال العوفي عن ابن عباس : من سفرهم هذا.

ويقال : من غضبهم هذا.

وقوله : ( يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) أي : معلمين بالسيما.

وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن حارثة بن مضرب ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض ، وكان سيماهم أيضا في نواصي خيلهم.

رواه ابن أبي حاتم ، ثم قال : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة في هذه الآية : ( مسومين ) قال : بالعهن الأحمر.

وقال مجاهد : ( مسومين ) أي : محذقة أعرافها ، معلمة نواصيها بالصوف الأبيض في أذناب الخيل.

وقال العوفي ، عن ابن عباس ، قال : أتت الملائكة محمدا صلى الله عليه وسلم مسومين بالصوف ، فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف.

وقال عكرمة وقتادة ( مسومين ) أي : بسيما القتال ، وقال مكحول : ( مسومين ) بالعمائم.

وروى ابن مردويه ، من حديث عبد القدوس بن حبيب ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ( مسومين ) قال : " معلمين.

وكان سيما الملائكة يوم بدر عمائم سودا ، ويوم حنين عمائم حمرا ".

وروي من حديث حصين بن مخارق ، عن سعيد ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر.

وقال ابن إسحاق : حدثني من لا أتهم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها في ظهورهم ، ويوم حنين عمائم حمرا.

ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر ، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون.

ثم رواه عن الحسن بن عمارة ، عن الحكم ، عن مقسم عن ابن عباس ، فذكر نحوه.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الأحمسي حدثنا وكيع ، حدثنا هشام بن عروة ، عن يحيى بن عباد : أن الزبير [ بن العوام ] رضي الله عنه ، كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجرا بها ، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر.

رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، فذكره.

تفسير الوسيط للطنطاوي

وقوله: بَلى إيجاب لما بعد «لن» أى، بلى يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف.

ولكنه- سبحانه- يعدكم بأنكم إِنْ تَصْبِرُوا على قتال أعدائكم وعلى ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا.

أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك.

يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، أى يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة.

وقرئ مُسَوِّمِينَ- بالفتح- أى معلمين من جهته- تعالى- بعلامات القتال.

من التسويم وهو إظهار علامة الشيء.

قال صاحب الكشاف: وقوله مِنْ فَوْرِهِمْ هذا من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره.

ومنه قول أبى حنيفة- رحمه الله-: الأمر على الفور لا على التراخي، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها.

فقيل: خرج من فوره كما تقول: خرج من ساعته.

والمعنى: أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه».

هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات.

أما الأمر الأول فهو: هل أمد الله- تعالى- المؤمنين في غزوة بدر بهذا العدد الذي ذكر في هذه الآية؟.

والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله- تعالى- قد أمد المؤمنين في بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فورا حين استنفرهم أبو سفيان لإنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف.

ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة.

وقال الشعبي: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله- تعالى-:أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ إلى قوله مُسَوِّمِينَ فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بالخمسة الآلاف أيضا.

أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شيء من ذلك إلا بنص.

فقد قال- رحمه الله-:«وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال للمؤمنين:أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا له ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف ولا على أنهم لم يمدوا بهم.

وقد يجوز أن يكون الله- تعالى- أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله.

غير أن في القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف.

وذلك قوله- تعالى-: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ.

أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أمدوا، ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم».

والذي نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب.

وأما الأمر الثاني فهو: إذا كان الله- تعالى- قد أمد المؤمنين بالملائكة في بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين.

قال القرطبي: تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت.

ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب- أى الطريق في الجبل- الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى».

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: «أقدم حيزوم».

فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه.

فجاء المسلم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحدثه بذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة.

ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب في قلوبهم، فقد قال- تعالى- إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ.

ويبدو أن الإمام ابن جرير الطبري كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله- تعالى- فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا أى: قووا عزائمهم، وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم».

وقد حكى الآلوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين في بدر وأنه قال:«إن الملك الواحد يكفى في إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة في إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين.

وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا في بدر عرف من قتلهم من المسلمين».

ولم يرتض الآلوسى ما قاله الأصم بل قال في الرد عليه: ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه- سبحانه- قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك.

ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبي صلّى الله عليه وسلّم وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله- تعالى-.

ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين في غزوة بدر.

ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين في بدر لأن النصوص الواردة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم صريحة في ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم.

ولقد سئل الإمام السبكى: ما الحكمة في قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟.

فأجاب: بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التي أجراها- سبحانه- في عباده.

تفسير البغوي

( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) فصبروا يوم بدر فاتقوا فأمدهم الله بخمسة آلاف كما وعد قال الحسن : وهؤلاء الخمسة آلاف ردء المؤمنين إلى يوم القيامة.

وقال ابن عباس ومجاهد : لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر ، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون ، إنما يكونون عددا ومددا.

قال محمد بن إسحاق : لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي سعد بن مالك يرمي وفتى شاب يتنبل له كلما فني النبل أتاه به فنثره فقال ارم أبا إسحاق مرتين ، فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يعرف.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد العزيز بن عبد الله ، أنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جده ، عن سعد بن أبي وقاص قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد.

ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، قال أخبرنا محمد بن بشر وأبو أسامة ، عن مسعر ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن سعد يعني ابن أبي وقاص قال : " رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد " يعني : جبريل وميكائيل.

وقال الشعبي : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر : أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم ، فأنزل الله تعالى : ( ألن يكفيكم أن يمدكم ) إلى قوله ( مسومين ) فبلغ كرزا الهزيمة فرجع فلم يأتهم ولم يمدهم فلم يمدهم الله أيضا بالخمسة آلاف ، وكانوا قد أمدوا بألف.

وقال الآخرون : إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته واتقوا محارمه : أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها فلم يصبروا إلا في يوم الأحزاب ، فأمدهم الله حتى حاصروا قريظة والنضير ، قال عبد الله بن أبي أوفى : كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله فلم يفتح علينا فرجعنا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبريل عليه السلام ، فقال : وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله ، ثم نادى فينا فقمنا حتى أتينا قريظة والنضير فيومئذ أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة ، ففتح لنا فتحا يسيرا.

وقال الضحاك وعكرمة : كان هذا يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا فلم يصبروا فلم يمدوا به.

قوله تعالى : ( أن يمدكم ربكم ) والإمداد : إعانة الجيش بالجيش ، وقيل : ما كان على جهة القوة والإعانة يقال فيه : أمده إمدادا وما كان على جهة الزيادة يقال : مده مدا ، ومنه قوله تعالى : " والبحر يمده " ( لقمان - 27 ) وقيل : المد في الشر والإمداد في الخير ، يدل عليه قوله تعالى : " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " ( البقرة - 15 ) " ونمد له من العذاب مدا " ( مريم - 79 ) وقال في الخير : ( أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) وقال : " وأمددناكم بأموال وبنين " ( الإسراء - 26 ).

قوله تعالى : ( بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) قرأ ابن عامر بتشديد الزاي على التكثير لقوله تعالى : " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة " ( سورة الأنعام - 111 ) وقرأ الآخرون بالتخفيف دليله قوله تعالى : " لولا أنزل علينا الملائكة " ( الفرقان - 21 ) وقوله : " وأنزل جنودا لم تروها " ( التوبة - 26 ).

ثم قال : ( بلى ) نمدكم ( إن تصبروا ) لعدوكم ( وتتقوا ) أي : مخالفة نبيكم ( ويأتوكم ) يعني المشركين ( من فورهم هذا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والحسن وأكثر المفسرين : من وجههم هذا ، وقال مجاهد والضحاك : من غضبهم هذا ، لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر ، ( يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ) لم يرد خمسة آلاف سوى ما ذكر من ثلاثة آلاف بل أراد معهم وقوله ( مسومين ) أي : معلمين قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو وقرأ الآخرون بفتحها فمن كسر الواو فأراد أنهم سوموا خيلهم ومن فتحها أراد به أنفسهم ، والتسويم : الإعلام من السومة وهي العلامة.

واختلفوا في تلك العلامة فقال عروة بن الزبير : كانت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر ، وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم : كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم ، ( وقال هشام بن عروة والكلبي : عمائم صفر مرخاة على أكتافهم ) وقال الضحاك وقتادة : كانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر : " تسوموا فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم ".

تفسير القرطبي

ثم قال : بلى وتم الكلام.

إن تصبروا شرط ، أي على لقاء العدو.

وتتقوا عطف عليه ، أي معصيته.

والجواب يمددكم.

ومعنى من فورهم من وجههم.

هذا عن عكرمة وقتادة والحسن والربيع والسدي وابن زيد.

وقيل : من غضبهم ; عن مجاهد والضحاك.

كانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا.

وأصل الفور القصد إلى الشيء والأخذ فيه بجد ; وهو من قولهم : فارت القدر تفور فورا وفورانا إذا غلت.

والفور الغليان.

وفار غضبه إذا جاش.

وفعله من فوره أي قبل أن يسكن.

والفوارة ما يفور من القدر.

وفي التنزيل وفار التنور.

قال الشاعر :تفور علينا قدرهم فنديمهاقوله تعالى : " مسومين " بفتح الواو اسم مفعول ، وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي ونافع.

أي معلمين بعلامات.

و ( مسومين ) بكسر الواو اسم فاعل ، وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير وعاصم ; فيحتمل من المعنى ما تقدم ، أي قد أعلموا أنفسهم بعلامة ، وأعلموا خيلهم.

ورجح الطبري وغيره هذه القراءة.

وقال كثير من المفسرين : مسومين أي مرسلين خيلهم في الغارة.

وذكر المهدوي هذا المعنى في " مسومين " بفتح الواو ، أي أرسلهم الله تعالى على الكفار.

وقاله ابن فورك أيضا.

وعلى القراءة الأولى اختلفوا في سيما الملائكة ; فروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما أن الملائكة اعتمت بعمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم ; ذكره البيهقي عن ابن عباس وحكاه المهدوي عن الزجاج.

إلا جبريل فإنه كان بعمامة صفراء على مثال الزبير بن العوام ، وقاله ابن إسحاق.

وقال الربيع : كانت سيماهم أنهم كانوا على خيل بلق.

قلت : ذكر البيهقي عن سهيل بن عمرو - رضي الله عنه - قال : لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين يقتلون ويأسرون.

فقوله : ( معلمين ) دل على أن الخيل البلق ليست السيما ، والله أعلم.

وقال مجاهد : كانت خيلهم مجزوزة الأذناب والأعراف معلمة النواصي والأذناب بالصوف والعهن.

وروي عن ابن عباس : تسومت الملائكة يوم بدر بالصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها.

وقال عباد بن عبد الله بن الزبير وهشام بن عروة والكلبي : نزلت الملائكة في سيما الزبير عليهم عمائم صفر على أكتافهم.

وقال ذلك عبد الله وعروة ابنا الزبير.

وقال عبد الله : كانت ملاءة صفراء اعتم بها الزبير - رضي الله عنه -.

قلت : و دلت الآية : على اتخاذ الشارة والعلامة للقبائل والكتائب يجعلها السلطان لهم ; لتتميز كل قبيلة وكتيبة من غيرها عند الحرب ، وعلى فضل الخيل البلق لنزول الملائكة عليها.

قلت : ولعلها نزلت عليها موافقة لفرس المقداد ; فإنه كان أبلق ولم يكن لهم فرس غيره ، فنزلت الملائكة على الخيل البلق إكراما للمقداد ; كما نزل جبريل معتجرا بعمامة صفراء على مثال الزبير ، والله أعلم.

ودلت الآية أيضا : على لباس الصوف وقد لبسه الأنبياء والصالحون.

وروى أبو داود وابن ماجه واللفظ له عن أبي بردة عن أبيه قال : قال لي أبي : لو شهدتنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أصابتنا السماء لحسبت أن ريحنا ريح الضأن.

ولبس - صلى الله عليه وسلم - جبة رومية من صوف ضيقة الكمين ; رواه الأئمة.

ولبسها يونس عليه السلام ; رواه مسلم.

وسيأتي لهذا المعنى مزيد بيان في " النحل " إن شاء الله تعالى.

قلت : وأما ما ذكره مجاهد من أن خيلهم كانت مجزوزة الأذناب والأعراف فبعيد ; فإن في مصنف أبي داود عن عتبة بن عبد السلمي أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها فإن أذنابها مذابها ، ومعارفها دفاؤها ، ونواصيها معقود فيها الخير.

فقول مجاهد يحتاج إلى توقيف من أن خيل الملائكة كانت على تلك الصفة ، والله أعلم.

ودلت الآية على حسن الأبيض والأصفر من الألوان لنزول الملائكة بذلك ، وقد قال ابن عباس : من لبس نعلا أصفر قضيت حاجته.

وقال عليه السلام : البسوا من ثيابكم البياض فإنه من خير ثيابكم وكفنوا فيه موتاكم وأما العمائم فتيجان العرب ولباسها.

وروى ركانة - وكان صارع النبي - صلى الله عليه وسلم - فصرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ركانة : وسمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس أخرجه أبو داود.

قال البخاري : إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضه من بعض.

تفسير الطبري

القول في تأويل قوله : إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، إذ تقول للمؤمنين بك من أصحابك: ألن يكفيكم أن يمدكم ربَكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين؟ وذلك يوم بدر.

* * *ثم اختلف أهل التأويل في حضور الملائكة يوم بدر حرَبهم، في أيّ يوم وُعدوا ذلك؟فقال بعضهم: إن الله عز وجل كان وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدَّهم بملائكته، إن أتاهم العدو من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا.

(14)*ذكر من قال ذلك:7743- حدثني حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن عامر قال، حُدِّث المسلمون أن كُرز بن جابر المحاربي يُمِدُّ المشركين، قال: فشق ذلك على المسلمين، فقيل لهم: " ألن يكفيَكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومِّين "، قال: فبلغت كرزًا الهزيمة، فرجع، ولم يمدّهم بالخمسة.

7744- حدثني ابن المثني قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر قال: لما كان يوم بدر بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم = ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: " ويأتوكم من فورهم هذا " -يعني كرزا وأصحابه-" يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين "، قال: فبلغ كرزًا وأصحابه الهزيمة، فلم يمدهم، ولم تنزل الخمسة، وأمِدّوا بعد ذلك بألف، فهم أربعة آلاف من الملائكة مع المسلمين.

7745- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد عن الحسن في قوله: " إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة "، الآية كلها، قال: هذا يوم بدر.

7746- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: حُدِّث المسلمون أن كرزَ بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين ببدر، قال: فشق ذلك على المسلمين؛ فأنزل الله عز وجلّ: " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم " إلى قوله: " من الملائكة مسومِّين "، قال: فبلغته هزيمة المشركين، فلم يمدّ أصحابه، ولم يمدُّوا بالخمسة.

* * *وقال آخرون: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون واتقوا الله، فأمدهم بملائكته على ما وعدهم.

*ذكر من قال ذلك:7747- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما أصيب بصره يقول: لو كنت معكم ببدر الآن &; 7-175 &; ومعي بَصَري، لأخبرتكم بالشِّعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشُك ولا أتمارى.

7748- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق، وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرًا: أنه قال بعد إذ ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري، لأريتكم الشِّعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارَى.

(15)7749- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي بكر: أنه حُدِّث عن ابن عباس: أن ابن عباس قال: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يُشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة، على من تكون الدَّبْرة فننتهِبُ مع من ينتهب.

(16) قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم.

(17) قال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، (18) وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت.

(19)7750- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، وحدثني الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن عباس قال: لم تُقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عَددًا ومَددًا لا يضربون.

(20)7751- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد بن إسحاق، حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن رجال من بني مازن بن النجار، عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرًا قال: إني لأتبعُ رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري.

(21)7752- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهلَ البيت، فأسلم العباس وأسلمتْ أم الفضل وأسلمتُ.

وكان العباس يهاب قومه ويكرَهُ أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه.

وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلَّف عن بدر وبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة.

وكذلك صنعوا، لم يتخلَّف رجل إلا بعث مكانه رجلا.

فلما جاء الخبرُ عن مُصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعِزًّا.

(22) قال: وكنت رجلا ضعيفًا، وكنت أعمل القِداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرُّ رجليه بشرٍّ حتى جلس على طُنُب الحجرة، (23) فكان ظهره إلى ظهري.

فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم! قال: قال أبو لهب: هلُمّ إليّ يا ابن أخي، فعندك الخبر! قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني، كيف كان أمرُ الناس؟ قال: لا شيء والله، إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا! وايم الله، مع ذلك ما لمتُ الناس، لقينا رجالا بيضًا على خيل بلق ما بين السماء والأرض ما تلِيق شيئًا، ولا يقوم لها شيء.

(24) قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك الملائكة! (25)7753- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد قال، حدثني الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبا اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلِمة، (26) وكان أبو اليسر رَجلا مجموعًا، (27) وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر: " كيف أسرت العباس أبا اليسر؟! قال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا " (28) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد أعانك عليه ملك كريم ".

(29)7754- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين "، أمدوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف =" بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين "، وذلك يوم بدر، أمدَّهم الله بخمسة آلاف من الملائكة.

7755- حدثت عن عمار، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه.

7756- حدثني محمد بن سعد قال، حدثنى أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، (30) عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين "، فإنهم أتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم مسوِّمين.

7757- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا سفيان، عن ابن خثيم، عن مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر.

* * *وقال آخرون: إن الله عز وجلّ: إنما وعدهم يوم بدر أن يمدَّهم إن صبروا عند طاعته وجهاد أعدائه، واتقوه باجتناب محارمه، أن يمدهم في حروبهم كلها، فلم يصبروا ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمدَّهم حين حاصروا قريظة.

*ذكر من قال ذلك:7758- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا سليمان بن زيد أبو إدام المحاربي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله أن نحاصرهم، فلم يفتح علينا، فرجعنا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فهو يغسل رأسه، (31) إذ جاءه جبريل صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة، فلفَّ بها رأسه ولم يغسله، ثم نادى فينا فقمنا كالِّين مُعْيِينَ لا نعبأ بالسير شيئًا، (32) حتى أتينا قريظة والنضير، فيومئذ أمدنا الله عز وجل بثلاثة آلاف من الملائكة، وفتح اللهُ لنا فتحًا يسيرًا، فانقلبنا بنعمة من الله وفضل.

(33)* * *وقال آخرون بنحو هذا المعنى، غير أنهم قالوا: لم يصبر القوم ولم يتقوا ولم يُمدوا بشيء في أحُد.

* ذكر من قال ذلك:7759- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، حدثني عمرو بن دينار، عن عكرمة، سمعه يقول: " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا "، قال: يوم بدر.

قال: فلم يصبروا ولم يتقوا فلم يمدوا يوم أحد، ولو مُدُّوا لم يُهزموا يومئذ.

7760- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت عكرمة يقول: لم يمدوا يوم أحُد ولا بملك واحد = أو قال: إلا بملك واحد، أبو جعفر يشك.

7761- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، سمعت عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف " إلى " خمسة آلاف من الملائكة مسوّمين "، كان هذا موعدًا من الله يوم أحُد عرضه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنّ المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين؛ ففرّ المسلمون يوم أحد وولَّوا مدبرين، فلم يمدهم الله.

7762- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا " الآية كلها.

قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ينظرون المشركين: يا رسول الله، أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين "، وإنما أمدكم يوم بدر بألف؟ ال: فجاءت الزيادة من الله على أن يصبروا ويتقوا، قال: بشرط أن يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم الآية كلها.

* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: ألن يكفيَكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددًا لهم، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله.

ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآف، ولا بالخمسة آلاف، ولا على أنهم لم يمدوا بهم.

وقد يجوز أن يكون الله عز وجل أمدهم، على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم = وقد يجوز أن يكون لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك.

ولا خبر عندنا صحَّ من الوجه الذي يثبت أنهم أمِدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف.

وغير جائز أن يقال في ذلك قولٌ إلا بخبر تقوم الحجة به.

ولا خبر به كذلك، فنسلم لأحد الفريقين قوله.

غير أنّ في القرآن دلالةً على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة، وذلك قوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [سورة الأنفال: 9] فأما في يوم أحُد، فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبينُ منها في أنهم أمدوا.

وذلك أنهم لو أمدوا لم يهزموا، ويُنالَ منهم ما نيل منهم.

فالصواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره.

* * *وقد بينا معنى " الإمداد " فيما مضى،" والمدد "، ومعنى " الصبر " و " التقوى.

" (34)* * *وأما قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، فإنّ أهل التأويل اختلفوا فيه.

فقال بعضهم: معنى قوله: " من فورهم هذا "، من وجههم هذا.

* ذكر من قال ذلك:7763- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن عثمان بن غياث، عن عكرمة قال: " ويأتوكم من فورهم هذا "، قال: من وجههم هذا.

7764- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " من فورهم هذا "، يقول: من وجههم هذا.

7765- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

7766- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، من وجههم هذا.

7767- حدثت عن عمار بن الحسن، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، يقول: من وجههم هذا.

7768- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا " يقول: من وجههم هذا.

7779- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، يقول: من سفرهم هذا = ويقال -يعني عن غير ابن عباس- بل هو من غضبهم هذا.

7770- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " من فورهم هذا "، من وجههم هذا.

* * *وقال آخرون: معنى ذلك: من غضبهم هذا.

* ذكر من قال ذلك:7771- حدثني محمد بن المثني قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عكرمة في قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة "، قال: " فورهم ذلك "، كان يوم أحد، غضبوا ليوم بدر مما لقوا.

7772- حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا سهل بن عامر قال، حدثنا مالك بن مغول قال: سمعت أبا صالح مولى أم هانئ يقول: " من فورهم هذا "، يقول: من غضبهم هذا.

7773- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، قال: غضَبٌ لهم، يعني الكفار، فلم يقاتلوهم عند تلك الساعة، وذلك يوم أحد.

7774- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد: " من فورهم هذا "، قال: من غضبهم هذا.

7775- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال سمعت الضحاك، في قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، يقول: من وجههم وغضبهم.

* * *قال أبو جعفر: وأصل " الفوْر "، ابتداء الأمر يؤخذ فيه، ثم يوصل بآخر، (35) يقال منه: " فارت القدرُ فهي تفور فورًا وفورانًا " إذا ابتدأ ما فيها بالغليان ثم اتصل.

و " مضيت إلى فلان من فوْري ذلك "، يراد به: من وجهي الذي ابتدأت فيه.

* * *= فالذي قال في هذه الآية: معنى قوله: " من فورهم هذا "، من " وجههم هذا "= قصد إلى أن تأويله: ويأتيكم كرز بن جابر وأصحابه يوم بدر من ابتداء مخرجهم الذي خرجوا منه لنصرة أصحابهم من المشركين.

* * *=وأما الذين قالوا: معنى ذلك: من غضبهم هذا =فإنما عنوا أن تأويل ذلك: ويأتيكم كفار قريش وتُبَّاعهم يوم أحد من ابتداء غضبهم الذي غضبوه لقتلاهم الذين قتلوا يوم بدر بها، يمددكم ربكم بخمسة آلاف.

* * *ولذلك من اختلاف تأويلهم في معنى قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، (36) اختلف أهل التأويل في إمداد الله المؤمنين بأحُد بملائكته.

فقال بعضهم: لم يمدوا بهم، لأن المؤمنين لم يصبروا لأعدائهم ولم يتقوا الله عز وجل، بترك من ترك من الرماة طاعةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوته في الموضع الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبوت فيه، ولكنهم أخلُّوا به طلبَ الغنائم، (37) فقتل من قتل المسلمين ونال المشركون منهم ما نالوا، (38) وإنما كان الله عز وجل وعد نبيه صلى الله عليه وسلم إمدادَهم بهم إن صبروا واتقوا الله.

---------------------الهوامش :(14) في المخطوطة: "ولم يعدوا" ، وهو خطأ صرف.

هذا والمخطوطة في هذا الموضع كثيرة الخطأ فيما هو واضح كهذا الحرف الذي أثبته ، ولذلك أغفلت كثيرًا من أشباهه ، ونبهت عليه.

(15) الأثران: 7747 ، 7748 - سيرة ابن هشام 2: 286 ، وانظره بإسناد آخر يأتي برقم: 7777 مع اختلاف في لفظه ، ومع نسبته إلى يوم أحد ، لا يوم بدر.

وانظر التعليق عليه هناك.

(16) الدبرة (بفتح الدال وسكون الباء ، وبفتحتين أيضًا) والدابرة: الهزيمة في القتال ، وهي اسم من"الإدبار".

يقال: على من الدبرة؟ أي الهزيمة.

ثم يقال: لمن الدبرة؟ أي لمن الدولة والظفر.

(17) قوله: "أقدم" هي كلمة زجر تزجر بها الخيل ، وأمر لها بالتقدم.

وحيزوم: اسم فرس من خيل الملائكة يومئذ.

ويقال هو فرس جبريل عليه السلام.

هذا وفي المخطوطة: "إذ ذهب منا سحابة" وهو تصحيف.

(18) قناع القلب: غشاؤه ، تشبيهها له بقناع المرأة الذي تلبسه.

(19) الأثر: 7749- سيرة ابن هشام 2: 285.

(20) الأثر: 7750- سيرة ابن هشام 2: 286.

(21) الأثر: 7751- سيرة ابن هشام 2: 286.

(22) في المطبوعة: "قوة وعونة" ، وليست بشيء ، وفي المخطوطة"قوة وعبدا" وصواب قراءتها ما أثبته من سيرة ابن هشام.

(23) طنب الحجرة: جانبها المسدل.

أخذ من طنب الخباء ، وهو الحبل يشد به إلى الأرض.

(24) يقال الكريم: "فلان لا يليق شيئًا" من"ألاق" ، أي: ما يحبس شيئا ولا يمسكه.

ويقال للسيف: "سيف لا يليق شيئًا" ، أي: ما يرد ضربته شيء.

وهذا الأخير هو المراد هنا.

وكان في المطبوعة: "ما يليق لها شيء" بدل ما في المخطوطة ، إذ لم يفهمه.

وأثبت ما في المخطوطة والسيرة.

(25) الأثر: 7752- سيرة ابن هشام 2: 301 ، مع اختلاف يسير في بعض اللفظ.

(26) في المطبوعة والمخطوطة: "أبا اليسر.

أخا بني سلمة" ، وأثبت ما في التاريخ ، فهو أجود عربية.

(27) قوله: "مجموعًا" ، يعني: قد اجتمع خلقه فلم يبسط ، وهو نقيض الجسيم ، كما يظهر من سياق الأثر.

ولم أجده في كتب اللغة التي بين يدي.

(28) في المخطوطة: "هيئته كذا ، هيئته كذا" ، وتركت ما في المطبوعة على حاله ، لأنه مطابق لما في التاريخ.

(29) الأثر: 7753- لم أجده في المطبوع من سيرة ابن هشام ، وهو في تاريخ الطبري 2: 288 ، 289.

(30) "قال حدثني أبي" هذه ، سقطت من المطبوعة ، والصواب من المخطوطة ، وهو إسناد دائر في التفسير.

(31) في المطبوعة: "فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته يغسل رأسه" ، وهو تصرف لا شك فيه من ناشر أو ناسخ آخر ، فإن الذي في المخطوطة: "فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يغسل رأسه" ، لما سقط من الجملة قوله: "بماء" ، تصرف الناسخ ، وما كان له أن يفعل! والصواب كما أثبته ، مطابقًا لما في الخصائص الكبرى للسيوطي.

وانظر البغوي (بهامش ابن كثير) 2: 235.

(32) في المخطوطة: "فقمنا كالبر معين" غير منقوطة ، فلم يحسن الناشر أن يقرأها ، فجعلها في المطبوعة: "كالزمعين" ، فجاء معلق على التفسير ففسر الكلمة تفسيرًا لا يصلح أن يكون كلامًا ها هنا ، فخرج الكلام تصحيفًا وخلطًا معًا!! وأما السيوطي في الخصائص الكبرى ، فالظاهر أنه لم يحسن هو أيضًا قراءة المخطوطة ، أو كانت في نسخة مصحفة عنده كمثل هذا التصحيف ، فأسقط الجملة كلها وساق الكلام هكذا: "فقمنا حتى أتينا بني قريظة".

وكذلك فعل البغوي.

وصواب القراءة هو ما أثبت ، وهو مطابق لصفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخرجهم إلى بني قريظة.

يقال"كل الرجل يكل من المشي فهو كال": إذا بلغ منه التعب والإعياء.

ويقال: "أعيى الرجل والبعير وغيره يعيي إعياء فهو معي" ، إذا أكله السير وطلحه وبرح به.

يقول: فقمنا وقد بلغ منا ومن دوابنا التعب.

(33) الأثر: 7785- أخرجه السيوطي في الخصائص الكبرى 1: 233 نقلا عن ابن جرير في تفسيره هذا.

و"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي" ، مضت ترجمته برقم: 5796 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "عبد الله بن موسى" ، وهو خطأ.

وأما "سليمان بن زيد أبو إدام المحاربي" فهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 2 / 15 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 117 ، قال يحيى بن معين"ليس بثقة ، كذاب ، ليس يسوى حديثه فلسًا".

وقال النسائي: "متروك الحديث".

وكان في المطبوعة: "أبو آدم" وهو خطأ ، ومثله في التهذيب في ترجمته ، وهو خطأ أيضًا صوابه ما أثبت من المخطوطة.

و"عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي" ، شهد بيعة الرضوان ، ومات رضي الله عنه سنة 88 ، كما صححه الذهبي في تاريخه.

وهذا الأثر ، وإن كان إسناده لا يقوم ، فإن معناه يشبه أن يكون حقًا ، لموافقته ما جاءت به الرواية عن غزوة بني قريظة في الروايات الصحيحة عن غير عبد الله بن أبي أوفى.

(34) انظر معنى"الإمداد والمدد" فيما سلف 1: 307 ، 308 / "والصبر" 2: 11 ، 124 / 3: 214 ، 349 كم فهارس اللغة فيما سلف / و"التقوى" 1: 232 ، 333 ، 364 / 4: 162 ، وفهارس اللغة.

(35) في المطبوعة والمخطوطة: "يوجد فيه" ، وهو كلام سخيف.

وأخذ في الأمر: شرع وبدأ.

(36) في المطبوعة: "وكذلك من اختلاف تأويلهم.

" ، وهو كلام غير مستقيم.

ولم يحسن الناشر قراءة المخطوطة ، لأن من عادة ناسخها أن يترك كثيرًا شرطة الكاف ، ويدعها كاللام ، فظنها هنا"كذلك" ، ولكنها"لذلك" كما قرأتها لك.

يقول الطبري: ومن أجل اختلافهم في تأويل: "ويأتوكم من فورهم هذا" ، اختلف أهل التأويل.

(37) في المطبوعة: "طلبًا للغنائم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مثله في المعنى.

(38) في المطبوعة: "فقتل من المسلمين" ، وهي غير مستقيمة ، وفي المخطوطة: "في قتل من قتل من المسلمين" ، وهي الصواب ، إلا في تصحيف الناسخ وخطئه إذ كتب مكان"فقتل" -"في قتل".