تفسير: واتقوا النار التي أعدت للكافرين، الآية 131 من سورة آل عمران

الآية 131 من سورة آل عمران

قال تعالى: (وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ) [آل عمران - الآية 131]

تفسير جلالين

«واتقوا النار التي أعدت للكافرين» أن تعذَّبوا بها.

تفسير السعدي

واتقوا النار التي أعدت للكافرين بترك ما يوجب دخولها، من الكفر والمعاصي، على اختلاف درجاتها، فإن المعاصي كلها- وخصوصا المعاصي الكبار- تجر إلى الكفر، بل هي من خصال الكفر الذي أعد الله النار لأهله، فترك المعاصي ينجي من النار، ويقي من سخط الجبار، وأفعال الخير والطاعة توجب رضا الرحمن، ودخول الجنان، وحصول الرحمة.

تفسير بن كثير

ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها ، فقال : ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ).

تفسير الوسيط للطنطاوي

ثم حذرهم- سبحانه- من الأعمال التي تفضى بهم إلى النار فقال: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ.

أى: صونوا أنفسكم.

واحترزوا من الوقوع في الأعمال السيئة كتعاطى الربا وما يشابه ذلك، لأن الوقوع في هذه الأعمال السيئة يؤدى بكم إلى دخول النار التي هيئت للكافرين.

وفي التعقيب على النهى عن تعاطى الربا بتقوى الله وباتقاء النار، إشعار بأن الذي يأكل الربا يكون بعيدا عن خشية الله وعن مراقبته، ويكون مستحقا لدخول النار التي أعدها الله- تعالى- للكافرين والفاسقين عن أمره.

قال صاحب الكشاف: «كان أبو حنيفة- إذا قرأ هذه الآية وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ يقول: هي أخوف آية في القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه».

تفسير البغوي

ثم خوفهم فقال : ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ).

تفسير القرطبي

ثم خوفهم فقال : واتقوا النار التي أعدت للكافرين قال كثير من المفسرين : وهذا الوعيد لمن استحل الربا ، ومن استحل الربا فإنه يكفر ويكفر.

وقيل : معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون النار ; لأن من الذنوب ما يستوجب به صاحبه نزع الإيمان ويخاف عليه ; من ذلك عقوق الوالدين.

وقد جاء في ذلك أثر أن رجلا كان عاقا لوالديه يقال له علقمة ; فقيل له عند الموت : قل لا إله إلا الله ، فلم يقدر على ذلك حتى جاءته أمه فرضيت عنه.

ومن ذلك قطيعة الرحم وأكل الربا والخيانة في الأمانة وذكر أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة أنه قال : أكثر ما ينزع الإيمان من العبد عند الموت.

ثم قال أبو بكر : فنظرنا في الذنوب التي تنزع الإيمان فلم نجد شيئا أسرع نزعا للإيمان من ظلم العباد.

وفي هذه الآية دليل على أن النار مخلوقة ردا على الجهمية ; لأن المعدوم لا يكون معدا.

تفسير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم.

* * *وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم: أنّ الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخِّر عنى ديْنك وأزيدك على مالك.

فيفعلان ذلك.

فذلك هو " الربا أضعافًا مضاعفة "، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه،.

كما:-7823- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: كانت ثقيف تدَّاين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حلّ الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخِّرون؟ فنزلت: " لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة ".

7824- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة "، أي: لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله له، (72) ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم.

(73)7825- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجلّ: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة " قال: ربا الجاهلية.

7826- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة "، قال: كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن.

(74) يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ (75) فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوَّله إلى السن التي فوق ذلك = إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حِقَّة، ثم جَذَعة، ثم رباعيًا، (76) ثم هكذا إلى فوق = وفي العين يأتيه، (77) فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه.

قال: فهذا قوله: " لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة ".

* * *وأما قوله: " واتقوا الله لعلكم تفلحون "، فإنه يعني: واتقوا الله أيها المؤمنون، في أمر الربا فلا تأكلوه، وفي غيره مما أمركم به أو نهاكم عنه، وأطيعوه فيه =" لعلكم تفلحون "، يقول: لتنجحوا فتنجوا من عقابه، وتدركوا ما رغَّبكم فيه من ثوابه والخلود في جنانه، كما:-7827- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " واتقوا الله لعلكم تفلحون "، أي: فأطيعوا الله لعلكم أن تنجوا مما حذركم من عذابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه.

(78)-----------------(72) سيرة ابن هشام: "هداكم الله به".

(73) الأثر: 7824- سيرة ابن هشام 3: 115 ، من بقية الآثار التي آخرها رقم: 7822.

(74) السن: العمر.

يريد بها أسنان الأنعام ، كما سيتبين لك من بقية الأثر.

(75) في المخطوطة: "تقضي أو تزدني".

(76) "المخاض": النوق الحوامل.

و"ابن المخاض" و"ابنة المخاض" ، ما دخل في السنة الثانية ، لأن أمه لحقت بالمخاض ، أي الحوامل.

"واللبون": الناقة ذات اللبن.

و"ابن اللبون" و"ابنة لبون" ، ما أتى عليه سنتان ، ودخل في السنة الثالثة.

فصارت أمه لبونًا ، أي ذات لبن.

و"الحق" و"الحقة" البعير إذا استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة.

"والجدع" و"الجذعة" ما استكمل أربعة أعوام ودخل في الخامسة.

فإذا طعن البعير في السادسة فهو"ثنى" ، وقد سقط هذا من الأسنان التي يذكرها.

أما "الرباع" للذكر ، و"الرباعية" للأنثى ، فهو الذي دخل في السابعة.

(77) العين: المال.

من ذهب وفضة وأشباهها.

(78) الأثر: 7827- سيرة ابن هشام 3: 115 ، وهو تابع الآثار التي آخرها: 7824 ، وفي السيرة"لعلكم تنجون.

وتدركون".