تفسير: وقال الذين اتبعوا لو…، الآية 167 من سورة البقرة

الآية 167 من سورة البقرة

قال تعالى: (وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ) [البقرة - الآية 167]

تفسير جلالين

«وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرَّة» رجعة إلى الدنيا «فنتبرَّأ منهم» أي المتبوعين «كما تبرءوا منا» اليوم ولو للتمني ونتبرأ جوابه «كذلك» أي كما أراهم شدة عذابه وتبرأ بعضهم من بعض «يريهم الله أعمالهم» السيئة «حسرات» حال ندامات «عليهم وما هم بخارجين من النار» بعد دخولها.

تفسير السعدي

وحينئذ يتمنى التابعون أن يردوا إلى الدنيا فيتبرأوا من متبوعيهم, بأن يتركوا الشرك بالله, ويقبلوا على إخلاص العمل لله، وهيهات, فات الأمر, وليس الوقت وقت إمهال وإنظار، ومع هذا, فهم كذبة, فلو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنما هو قول يقولونه, وأماني يتمنونها, حنقا وغيظا على المتبوعين لما تبرأوا منهم والذنب ذنبهم، فرأس المتبوعين على الشر, إبليس, ومع هذا يقول لأتباعه لما قضي الأمر إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ.

تفسير بن كثير

وقوله : ( وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا ) أي : لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم ، فلا نلتفت إليهم ، بل نوحد الله وحده بالعبادة.

وهم كاذبون في هذا ، بل لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.

كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك ; ولهذا قال : ( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ) أي : تذهب وتضمحل كما قال الله تعالى : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) [ الفرقان : 23 ].

وقال تعالى : ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ) الآية [ إبراهيم : 18 ] ، وقال تعالى : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ) الآية [ النور : 39 ] ، ولهذا قال تعالى : ( وما هم بخارجين من النار ).

تفسير الوسيط للطنطاوي

ثم بين- سبحانه- ما قاله الأتباع على سبيل الحسرة والندم فقال: وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا.

الكرة: الرجعة والعودة.

يقال: كر يكر كرا: أى: رجع.

و (لو) للتمني.

وقوله فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ منصوب بعد الفاء بأن مضمرة في جواب التمني الذي أشربته لو، والكاف في قوله كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا في محل نصب نعت لمصدر محذوف أى تبرأ مثل تبرئهم.

والمعنى: وقال الذين كانوا تابعين لغيرهم في الباطل بدون تعقل أو تدبر ليت لنا رجعة إلى الحياة الدنيا فنتبرأ من هؤلاء الذين اتبعناهم وأضلونا السبيل كما تبرءوا منا في هذا اليوم العصيب، ولنشفى غيظنا منهم لأنهم خذلونا وأوردونا موارد التهلكة والعذاب الأليم.

وقوله- تعالى-: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ تذبيل لتأكيد الوعيد، وبيان لحال المشركين في الآخرة.

قال الآلوسى: وقوله: كَذلِكَ في موضع المفعول المطلق لما بعده، والمشار إليه الاراء المفهوم من قوله: إِذْ يَرَوْنَ أى: كإراء العذاب المتلبس بظهور أن القوة لله والتبري وتقطع الأسباب وتمنى الرجعة، يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم.

وجوز أن يكون المشار إليه المصدر المفهوم مما بعد والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الضخامة.

أى: مثل ذلك الاراء الفظيع يريهم على حد ما قيل في قوله- تعالى-: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً.

والمراد بأعمالهم: المعاصي التي ارتكبوها وفي مقدمتها اتباعهم لمن أضلوهم.

وحَسَراتٍ جمع حسرة، وهي أشد درجات الندم والغم على ما فات.

يقال: حسر يحسر حسرا فهو حسير، إذ اشتدت ندامته على أمر فاته.

قال الرازي: وأصل الحسر الكشف.

يقال حسر ذراعيه أى: كشف والحسرة انكشاف عن حال الندامة.

والحسور الإعياء لأنه انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر.

قال- تعالى-:وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ.

والمعنى: كما أرى الله- تعالى- المشركين العذاب وما صاحبه من التبرؤ وتقطع الأسباب بينهم، يريهم- سبحانه- أعمالهم السيئة يوم القيامة فتكون حسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم.

ثم ختم- سبحانه- الآية ببيان عاقبة أمرهم فقال: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.

أى: وما هم بخارجين من تلك النار التي عوقبوا بها بسبب شركهم، بل هم مستقرون فيها استقرارا أبديا، وقد جاءت الجملة اسمية لتأكيد نفى خروجهم من النار، وبيان أنهم مخلدون فيها كما قال- تعالى- في آية أخرى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها.

وهكذا يسوق لنا القرآن ما يدور بين التابعين والمتبوعين يوم القيامة من تنصل وتحسر وتخاصم بتلك الطريقة المؤثرة، حتى لكأنك أمام مشهد مجسم، ترى فيه الصور الشاخصة حاضرة.

وذلك لون من ألوان بلاغة القرآن في عرضه للحقائق، حتى تأخذ سبيلها إلى النفوس الكريمة، وتؤتى ثمارها الطيبة في القلوب السليمة.

ثم وجه القرآن نداء عاما إلى البشر أمرهم فيه بأن يتمتعوا بما أحله لهم من طيبات، ونهاهم عن اتباع وساوس الشيطان فقال- تعالى-:.

تفسير البغوي

وقال الذين اتبعوا يعني الأتباع.

لو أن لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا.

فنتبرأ منهم أي من المتبوعين.

كما تبرؤوا منا اليوم.

كذلك أي كما أراهم العذاب كذلك.

يريهم الله وقيل كتبرؤ بعضهم من بعض يريهم الله.

أعمالهم حسرات ندامات.

عليهم جمع حسرة، قيل: يريهم الله ما ارتكبوا من السيئات فيتحسرون لم عملوا، وقيل: يريهم ما تركوا من الحسنات فيندمون على تضييعها.

وقال ابن كيسان: "إنهم أشركوا بالله الأوثان رجاء أن تقربهم إلى الله عز وجل، فلما عذبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسروا وندموا"، قال السدي: "ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون ويتحسرون".

وما هم بخارجين من النار.

تفسير القرطبي

قوله تعالى : وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النارقوله تعالى : وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة أن في موضع رفع ، أي لو ثبت أن لنا رجعة فنتبرأ منهم جواب التمني.

والكرة : الرجعة والعودة إلى حال قد كانت ، أي قال الأتباع : لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم كما تبرءوا منا أي تبرؤا كما ، فالكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف.

ويجوز أن يكون نصبا على الحال ، تقديرها متبرئين ، والتبرؤ الانفصال.

قوله تعالى : كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم الكاف في موضع رفع ، أي الأمر كذلك.

أي كما أراهم الله العذاب كذلك يريهم الله أعمالهم.

ويريهم الله قيل : هي ، من رؤية البصر ، فيكون متعديا لمفعولين : الأول الهاء والميم في يريهم ، والثاني أعمالهم ، وتكون حسرات حالا.

ويحتمل أن يكون من رؤية القلب ، فتكون حسرات المفعول الثالث.

أعمالهم قال الربيع : أي الأعمال الفاسدة التي ارتكبوها فوجبت لهم بها النار.

وقال ابن مسعود والسدي : الأعمال الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة ، ورويت في هذا القول أحاديث.

قال السدي : ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله تعالى ، ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون.

وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها ، وأما إضافة الأعمال الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها.

والحسرة واحدة الحسرات ، كتمرة وتمرات ، وجفنة وجفنات ، وشهوة وشهوات.

هذا إذا كان اسما ، فإن نعته سكنت ، كقولك : ضخمة وضخمات ، وعبلة وعبلات.

والحسرة أعلى درجات الندامة على شيء فائت.

والتحسر : التلهف ، يقال : حسرت عليه ( بالكسر ) أحسر حسرا وحسرة.

وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته ، كالبعير إذا عيي.

وقيل : هي مشتقة من حسر إذا كشف ، ومنه الحاسر في الحرب : الذي لا درع معه.

والانحسار : الانكشاف.

قوله تعالى : وما هم بخارجين من النار دليل على خلود الكفار فيها وأنهم لا يخرجون منها.

وهذا قول جماعة أهل السنة ، لهذه الآية ولقوله تعالى : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.

وسيأتي.

تفسير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّاقال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " وقَال الذين اتَّبعوا "، وقال أتباع الرجال -الذين كانوا اتخذوهم أندادًا من دون الله يطيعونهم في معصية الله, ويَعصُون ربَّهم في طاعتهم, إذ يرون عَذابَ الله في الآخرة-: " لو أن لنا كرة ".

* * *يعني" بالكرة "، الرجعةَ إلى الدنيا, من قول القائل: " كررَت على القوم أكُرَّ كرًّا ", و " الكرَّة " المرة الواحدة, وذلك إذا حمل عليهم راجعًا عليهم بعد الانصراف عنهم، كما قال الأخطل:وَلَقَدْ عَطَفْنَ عَلَى فَزَارَةَ عَطْفَةًكَرَّ الْمَنِيحِ, وَجُلْنَ ثَمَّ مَجَالا (47)وكما:-2432- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: " وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا "، أي: لنا رجعةً إلى الدنيا.

2433- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " وقال الذين اتبعوا لو أنّ لنا كرة " قال، قالت الأتباع: لو أن لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا.

* * *وقوله: " فنتبرأ منهم " منصوبٌ، لأنه جواب للتمني ب " الفاء ".

لأن القوم تمنوا رجعةً إلى الدنيا ليتبرأوا من الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله، كما تبرأ منهم رؤساؤهم الذين كانوا في الدنيا، المتبوعون فيها على الكفر بالله، إذْ عاينوا عَظيم النازل بهم من عذاب الله، (48) فقالوا: يا ليت لنا كرّة إلى الدنيا فنتبرأ منهم, و يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سورة الأنعام: 27]* * *القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْقال أبو جعفر: ومعنى قوله: " كذلك يُريهمُ الله أعمالهم "، يقول: كما أراهم العذابَ الذي ذكره في قوله: وَرَأَوُا الْعَذَابَ ، الذي كانوا يكذبون به في الدنيا, فكذلك يُريهم أيضًا أعمالهم الخبيثة التي استحقوا بها العقوبة من الله " حسرات عليهم " يعني: نَدامات.

* * *" والحسرات " جَمع " حَسْرة ".

وكذلك كل اسم كان واحده على " فَعْلة " مفتوح الأول ساكن الثاني, فإن جمعه على " فَعَلات " مثل " شَهوة وتَمرة " تجمع " شَهوات وتَمرات " مثقَّلة الثواني من حروفها.

فأما إذا كان نَعتًا فإنك تَدع ثانيَه ساكنًا مثل " ضخمة "، تجمعها " ضخْمات " و " عَبْلة " تجمعها " عَبْلات ", وربما سُكّن الثاني في الأسماء، كما قال الشاعر: (49)عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُولاتِهَايُدِلْنَنَا اللَّمَّة مِنْ لَمَّاتِهَافَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا (50)فسكنّ الثاني من " الزفرات "، وهي اسم.

وقيل: إن " الحسرة " أشد الندامة.

* * *فإن قال لنا قائل: فكيف يَرَون أعمالهم حَسرات عليهم, وإنما يتندم المتندم عَلى تَرْك الخيرات وفوتها إياه؟ وقد علمت أنّ الكفار لم يكن لهم من الأعمال ما يتندّمون على تركهم الازديادَ منه, فيريهم الله قليلَه! (51) بل كانت أعمالهم كلها معاصيَ لله, ولا حسرةَ عليهم في ذلك, وإنما الحسرة فيما لم يَعملوا من طاعة الله؟قيل: إن أهل التأويل في تأويل ذلك مختلفون, فنذكر في ذلك ما قالوا, ثم نخبر بالذي هو أولى بتأويله إن شاء الله.

فقال بعضهم: معنى ذلك: كذلك يريهم الله أعمالهم التي فرضها عليهم في الدنيا فضيَّعوها ولم يعملوا بها، حتى استوجب =ما كان الله أعدَّ لهم، لو كانوا عملوا بها في حياتهم، من المساكن والنِّعم= غيرُهمْ بطاعته ربَّه.

(52) فصار ما فاتهم من الثواب -الذي كان الله أعدَّه لهم عنده لو كانوا أطاعوه في الدنيا، إذ عاينوه (53) عند دخول النار أو قبل ذلك- أسًى وندامةً وحسرةً عليهم.

* ذكر من قال ذلك:2434- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " كذلك يُريهم الله أعمالهم حَسرات عليهم "، زعم أنه يرفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها، لو أنهم أطاعوا الله, فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تُقسَّم بين المؤمنين, فيرثونهم.

فذلك حين يندمون.

2435- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل قال، حدثنا أبو الزعراء, عن عبد الله -في قصة ذكرها- فقال: فليس نَفْسٌ إلا وهي تنظر إلى بَيتٍ في الجنة وبَيتٍ في النار, وهو يومُ الحسرة.

قال: فيرى أهلُ النار الذين في الجنة, فيقال لهم: لو عَملتم! فتأخذهم الحسرة.

قال: فيرى أهلُ الجنة البيتَ الذي في النار, فيقال: لولا أن منَّ الله عليكم! (54)* * *فإن قال قائل: وكيف يكون مضافًا إليهم من العمل ما لم يَعملوه على هذا التأويل؟قيل: كما يُعرض على الرجل العملُ فيقال [له] قبل أن يعمله: (55) هذا عملك.

يعني: هذا الذي يجب عليك أن تَعمله, كما يقال للرجل يَحضُر غَداؤه قبل أن يَتغدى به: (56) هذا غَداؤك اليوم.

يعني به: هذا ما تَتغدى به اليوم.

فكذلك قوله: " كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم "، يعني: كذلك يُريهم الله أعمالهم التي كان لازمًا لهم العمل بها في الدنيا، حسرات عليهم.

* * *وقال آخرون: كذلك يُريهم الله أعمالهم السيئة حسرات عليهم، لم عَملوها؟ وهلا عملوا بغيرها مما يُرضي الله تعالى ذكره؟* ذكر من قال ذلك:2436- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم "، فصَارت أعمالهم الخبيثة حَسرةً عليهم يوم القيامة.

2437- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أعمالهم حسرات عليهم " قال، أوليس أعمالهم الخبيثةُ التي أدخلهم الله بها النار؟ [فجعلها] حسرات عليهم.

(57) قال: وجعل أعمالَ أهل الجنة لهم, وقرأ قول الله: بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [سورة الحاقة: 24]* * *قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال: معنى قوله: " كذلك يُريهم الله أعمالهمْ حَسرات عليهم "، كذلك يُرِي الله الكافرين أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم، لم عملوا بها؟ وهلا عملوا بغيرها؟ فندموا على ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة، إذ رأوا جزاءها من الله وعقابها، (58) لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندمًا عليهم.

فالذي هو أولى بتأويل الآية، ما دلّ عليه الظاهرُ دون ما احتمله الباطن الذي لا دلالة له على أنه المعنيُّ بها.

(59) والذي قال السدي في ذلك، وإن كان مَذهبًا تحتمله الآية, فإنه مَنزع بعيد.

ولا أثر -بأنّ ذلك كما ذكر- تقوم به حُجة فيسلم لها، (60) ولا دلالة في ظاهر الآية أنه المراد بها.

فإذْ كان الأمر كذلك، لم يُحَلْ ظاهر التنزيل إلى باطن تأويل.

(61)* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وما هؤلاء الذين وصَفتهم من الكفار =وإنْ نَدموا بعد معاينتهم مَا عاينوا من عذاب الله, فاشتدت ندامتهم على ما سلف منهم من أعمالهم الخبيثة, وتمنَّوا إلى الدنيا كرةً ليُنيبوا فيها, ويتبرأوا من مُضليهم وسادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله فيها = بخارجين من النار التي أصلاهُموها الله بكفرهم به في الدنيا, ولا ندمُهم فيها بمنجيهم من عذاب الله حينئذ, ولكنهم فيها مخلدون.

* * *وفي هذه الآية الدلالةُ على تكذيب الله الزاعمين أن عَذابَ الله أهلَ النار من أهل الكفر مُنقضٍ, وأنه إلى نهاية, ثم هو بعدَ ذلك فانٍ.

لأن الله تعالى ذكره أخبرَ عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية, ثم ختم الخبر عنهم بأنهم غيرُ خارجين من النار، بغير استثناء منه وَقتًا دون وقت.

فذلك إلى غير حدّ ولا نهاية.

-------------------الهوامش :(47) ديوانه 48 ، ونقائض جرير والأخطل : 79.

وفي المطبوعة : "كر المشيح" ، وهو خطأ وفي الديوان"على قدارة" ، وهو خطأ.

وفزارة بن ذبيان بن بغيض.

والمنيح : قدح لاحظ له في الميسر ، وأقداح الميسر سبعة دوات أنصباء ، وأربعة لا نصيب لها مع السبعة ، ولكنها تعاد معها في كل ضربة.

وقوله : "عطفن" يعني الخيل ، ذكرها في بيت قبله.

وقد مضى من هذه القصيدة أبيات في 2 : 38 ، 39 ، 492 ، 496.

(48) في المطبوعة : "إذا عاينوا" ، وهو خطأ.

(49) لم أعرف قائله.

(50) سيأتي في التفسير 24 : 43 / 30 : 34 (بولاق) بزيادة بيت.

والعيني 4 : 396 واللسان (لمم) (زفر) (علل) وغيرها.

والدولة (بفتح فسكون) والدولة (بضم الدال) : العقبة في المال والحرب وغيرهما ، وهو الانتقال من حال إلى حال ، هذا مرة وهذا مرة.

ودالت الأيام : دارت بأصحابها.

ويروي : "تديلنا" وأداله : جعل له العقبة في الأمر الذي يطلبه أو يتمناه ، بتغيره وانتقاله عنه إلى حال أخرى.

واللمة : النازلة من نوازل الدهر ، كالملمة.

والبيت الرابع الذي زاده الطبري :وَتَنْقَعُ الغُلّة من غُلاّتِهاوالغلة : شدة العطش وحرارته.

ونقع الغلة : سكنها وأطفأها وأذهب ظمأها.

(51) قوله : "فيريهم الله قليله" ، يعني به : فيريهم الله أنه قليل ، فيتمنون أن لو كانوا ازدادوا من فعله حتى يكثر.

(52) سياق هذه الجملة : حتى استوجب غيرهم بطاعته ربه ، ما كان الله أعد لهم.

" فقدم وأخر وفصل ، كعادته.

(53) في المطبوعة : "إذا عاينوه" ، والصواب ما أثبت.

(54) الحديث : 2435- سفيان : هو الثوري.

سلمة بن كهيل الحضرمي.

سبق توثيقه : 439 ، ونزيد هنا أن الثوري قال : "كان ركنًا من الأركان".

وقال أحمد : "سلمة متقن الحديث".

وقال أبو زرعة : "كوفي ثقة مأمون ذكي".

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/75 ، وابن سعد 6 : 221 ، وابن أبي حاتم 2/1/170-171 ، وتاريخ الإسلام 5 : 81-82.

أبو الزعراء - بفتح الزاي والراء بينهما عين مهملة ساكنة؛ هو عبد الله بن هانئ أبو الزعراء الكبير ، وهو خال سلمة بن كهيل.

وهو ثقة من كبار التابعين.

مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 119 ، وابن أبي حاتم 2/2/195.

وهذا الحديث قطعة من حديث طويل - كما قال الطبري هنا : "في قصة ذكرها" وستأتي قطعة أخرى منه في الطبري 15 : 97 (بولاق).

وهو حديث موقوف من كلام ابن مسعود ولكنه -عندنا- وإن كان موقوفًا لفظًا ، فإنه مرفوع حكمًا ، لأنه في صفة آخر الزمان ، وما يأتي من الفتن ، ثم فناء الدنيا ، ثم البعث والنشور والشفاعة ، وما إلى ذلك ، مما لا يعلم بالرأي.

وقد رواه -بطوله كاملا- الحاكم في المستدرك 4 : 496-498 ، من طريق الحسين بن حفص الإصبهاني ، عن سفيان ، بهذا الإسناد.

وقال : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه".

ووافقه الذهبي.

وهو كما قالا.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 10 : 328-330 ، بطوله ، وقال : رواه الطبراني وهو موقوف ، مخالف للحديث الصحيح وقول النبي صلى الله عليه وسلم : "أنا أول شافع"! هكذا قال الهيثمي ولم يذكر شيئًا عن إسناده.

وليس هذا موضع التعقب على تعليله.

وروى أبو داود الطيالسي : 389- قطعة أخرى منه ، عن يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه.

و"يحيى بن سلمة".

ضعيف جدًا.

قال البخاري في الصغير ، ص : 143"منكر الحديث" ولا يضر ضعف الإسناد عند الطيالسي ، إذ جاء الحديث -كما ترى- بإسناد صحيح ، من رواية سفيان الثوري ، عن سلمة بن كهيل.

(55) ما بين القوسين زيادة يستقيم بها الكلام.

(56) في المطبوعة : "كما يقال للرجل" ، وزيادة الواو لازمة.

(57) الزيادة بين القوسين مما يستقيم به معنى الكلام ، ليطابق القول الذي قاله هؤلاء.

ويوافق الشطر الثاني من هذا الخبر في ذكر أعمال أهل الجنة.

(58) في المطبوعة : "إذا رأوا جزاءها" ، والصواب ما أثبت.

(59) انظر تفسير معنى : "الظاهر ، والباطن" فيما سلف 2 : 15 ، واطلبه في فهرس المصطلحات.

(60) في المطبوعة : "تقوم له حجة" ، وهو خطأ ، صوابه ما أثبت.

(61) في المطبوعة : "فإذا كان الأمر.

" ، والصواب ما أثبت.

وقوله : "لم يحل" من أحال الشيء يحيله : إذا حوله من مكان إلى مكان ، أو من وجه إلى وجه.