تفسير: وكذب الذين من قبلهم…، الآية 45 من سورة سبأ

الآية 45 من سورة سبأ

قال تعالى: (وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ) [سبأ - الآية 45]

تفسير جلالين

«وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا» أي هؤلاء «معشار ما آتيناهم» من القوة وطول العمر وكثرة المال «فكذبوا رسلي» إليهم «فكيف كان نكير» إنكاري عليهم العقوبة والإهلاك، أي هو واقع موقعه.

تفسير السعدي

ثم خوفهم ما فعل بالأمم المكذبين [قبلهم] فقال: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا أي: ما بلغ هؤلاء المخاطبون مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا أي: الأمم الذين من قبلهم رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ أي: إنكاري عليهم, وعقوبتي إياهم.

قد أعلمنا ما فعل بهم من النكال, وأن منهم من أغرقه, ومنهم من أهلكه بالريح العقيم, وبالصيحة, وبالرجفة, وبالخسف بالأرض, وبإرسال الحاصب من السماء، فاحذروا يا هؤلاء المكذبون, أن تدوموا على التكذيب, فيأخذكم كما أخذ من قبلكم, ويصيبكم ما أصابهم.

تفسير بن كثير

ثم قال : ( وكذب الذين من قبلهم ) أي : من الأمم ، ( وما بلغوا معشار ما آتيناهم ) قال ابن عباس : أي من القوة في الدنيا.

وكذلك قال قتادة ، والسدي ، وابن زيد.

كما قال تعالى : ( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) [ الأحقاف : 26 ] ، ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة ) [ غافر : 82 ] ، أي : وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا رده ، بل دمر الله عليهم لما كذبوا رسله; ولهذا قال : ( فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ) أي : فكيف كان نكالي وعقابي وانتصاري لرسلي ؟.

تفسير الوسيط للطنطاوي

ثم بين لهم- سبحانه- بعد ذلك هوان أمرهم.

وتفاهة شأنهم بالنسبة لمن سبقوهم، فقال: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ، فَكَذَّبُوا رُسُلِي، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ.

والمعشار بمعنى العشر وهو لغة فيه.

تقول: عندي عشر دينار ومعشار دينار، قال أبو حيان: والمعشار مفعال من العشر، ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع.

ومعناهما: العشر والربع.

والضمير في قوله وَما بَلَغُوا يعود لكفار مكة، وقوله: ما آتَيْناهُمْ وفي قوله:فَكَذَّبُوا رُسُلِي يعود إلى الأمم السابقة.

والنكير: مصدر كالإنكار، وهو من المصادر التي جاءت على وزن فعيل.

والمعنى: لا تحزن- أيها الرسول الكريم- لتكذيب قومك لك، فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم رسلهم، وإن قومك لم يبلغوا من القوة والغنى والكثرة.

عشر ما كان عليه سابقوهم، ولكن لما كذب أولئك السابقون أنبياءهم، أخذتهم أخذ عزيز مقتدر، بأن دمرناهم جميعا.

والاستفهام في قوله- تعالى- فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ للتهويل.

والجملة الكريمة معطوفة على مقدر والمعنى: فحين تمادوا في تكذيب رسلي، جاءهم إنكارى بالتدمير، فكيف كان إنكارى عليهم بالتدمير والإهلاك؟ لقد كان شيئا هائلا فظيعا تركهم في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها، فعلى قومك أن يحذروا من أن يصيبهم مثله.

وجعل- سبحانه- التدمير إنكارا، تنزيلا للفعل منزلة القول، كما في قول بعضهم:ونشتم بالأفعال لا بالتكلم.

ويرى بعضهم أن الضمير في قوله وَما بَلَغُوا يعود على الذين من قبلهم، وفي قوله آتَيْناهُمْ يعود إلى كفار مكة.

وقد رجح الإمام الرازي هذا الرأى فقال ما ملخصه: قال المفسرون: معنى الآية: ما بلغ هؤلاء المشركون معشار ما آتينا المتقدمين.

ثم إن الله أخذ هؤلاء المتقدمين، دون أن تنفعهم قوتهم، لما كذبوا رسلهم، فكيف حال هؤلاء الضعفاء- وهم قومك.

ثم قال- رحمه الله-: وعندي وجه آخر في معنى الآية، وهو أن يقال: وكذب الذين من قبلهم، وما بلغوا معشار ما آتيناهم، أى: الذين من قبلهم ما بلغوا معشار ما آتينا قومك من البيان والبرهان.

وذلك لأن كتابك يا محمد أكمل من سائر الكتب.

فإذا كنت قد أنكرت على المتقدمين لما كذبوا رسلهم- مع أنهم لم يؤتوا معشار ما أوتى قومك من البيان-، فكيف لا أنكر على قومك بعد تكذيبهم لأوضح الكتب، وأفصح الرسل.

ويبدو لنا أن المعنى الأول الذي عبر عنه الإمام الرازي بقوله: قال المفسرون، هو الأرجح لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة، لأنه يفيد التقليل من شأن مشركي مكة، بالنسبة لمن سبقهم من الأمم، من ناحية القوة والغنى.

وفي القرآن الكريم آيات متعددة تؤيد هذا المعنى، منها قوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها، وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.

وبعد هذا الحديث عن أقوال المشركين في شأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم وفي شأن القرآن.

وبعد هذا الرد الملزم لهم، والمزهق لباطلهم.

بعد كل ذلك لقن الله- تعالى- نبيه صلّى الله عليه وسلّم الحجج القاطعة، والأقوال الحكيمة، التي تهدى إلى الرشد بأبلغ أسلوب، وأصدق بيان، فقال- تعالى-:.

تفسير البغوي

( وكذب الذين من قبلهم ) من الأمم رسلنا ، وهم : عاد ، وثمود ، وقوم إبراهيم ، وقوم لوط وغيرهم ( وما بلغوا ) يعني : هؤلاء المشركين ) ( معشار ) أي : عشر ) ( ما آتيناهم ) أي : أعطينا الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول العمر ( فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ) أي : إنكاري وتغييري عليهم ، يحذر كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية.

تفسير القرطبي

وكذب الذين من قبلهم أي كذب قبلهم أقوام كانوا أشد من هؤلاء بطشا وأكثر أموالا وأولادا وأوسع عيشا ، فأهلكتهم كثمود وعاد.

وما بلغوا أي ما بلغ أهل مكة معشار ما آتيناهم تلك الأمم.

والمعشار والعشر سواء ، لغتان.

وقيل : المعشار عشر العشر.

الجوهري : ومعشار الشيء عشره ، ولا يقولون هذا في شيء سوى العشر.

وقال : ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم ; حكاه النقاش.

وقيل : ما أعطى الله تعالى من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان.

قال ابن عباس : فليس أمة أعلم من أمته ، ولا كتاب أبين من كتابه.

وقيل : المعشار هو عشر العشير ، والعشير هو عشر العشر فيكون جزءا من ألف جزء.

الماوردي : وهو الأظهر ؛ لأن المراد به المبالغة في التقليل.

فكذبوا رسلي فكيف كان نكير أي عقابي في الأمم ، وفيه محذوف وتقديره : فأهلكناهم فكيف كان نكيري.

تفسير الطبري

وقوله (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يقول: وكذب الذين من قبلهم من الأمم رسلنا وتنزيلنا(وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتيْنَاهُمْ) يقول: ولم يبلغ قومك يا محمد عشر ما أعطينا الذين من قبلهم من الأمم من القوة والأيدي والبطش، وغير ذلك من النعم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:حدثني علي قال: ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله (وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتيْنَاهُمْ) من القوة في الدنيا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله (وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتيْنَاهُمْ) يقول: ما جاوزوا معشار ما أنعمنا عليهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ ) يخبركم أنه أعطى القوم ما لم يعطكم &; 20-417 &; من القوة وغير ذلك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتيْنَاهُمْ) قال: ما بلغ هؤلاء، أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، معشار ما آتينا الذين من قبلهم، وما أعطيناهم من الدنيا، وبسطنا عليهم (فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِير) يقول: فكذبوا رسلي فيما أتوهم به من رسالتي، فعاقبناهم بتغييرنا بهم ما كنا آتيناهم من النعم، فانظر يا محمد كيف كان نكير، يقول: كيف كان تغييري بهم وعقوبتي.