تفسير: إن الذين كفروا سواء…، الآية 6 من سورة البقرة

الآية 6 من سورة البقرة

قال تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ) [البقرة - الآية 6]

تفسير جلالين

«إن الذين كفروا» كأبي جهل وأبي لهب ونحوهما «سواء عليهم أأنذرتهم» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه «أم لم تنذرهم لا يؤمنون» لعلم الله منهم ذلك فلا تطمع في إيمانهم، والإنذار إعلام مع تخويف.

تفسير السعدي

فلهذا لما ذكر صفات المؤمنين حقا, ذكر صفات الكفار المظهرين لكفرهم، المعاندين للرسول يخبر تعالى أن الذين كفروا, أي: اتصفوا بالكفر, وانصبغوا به, وصار وصفا لهم لازما, لا يردعهم عنه رادع, ولا ينجع فيهم وعظ، إنهم مستمرون على كفرهم, فسواء عليهم أأنذرتهم, أم لم تنذرهم لا يؤمنون، وحقيقة الكفر: هو الجحود لما جاء به الرسول, أو جحد بعضه، فهؤلاء الكفار لا تفيدهم الدعوة إلا إقامة الحجة, وكأن في هذا قطعا لطمع الرسول صلى الله عليه وسلم في إيمانهم, وأنك لا تأس عليهم, ولا تذهب نفسك عليهم حسرات.

تفسير بن كثير

يقول تعالى : ( إن الذين كفروا ) أي : غطوا الحق وستروه ، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك ، سواء عليهم إنذارك وعدمه ، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به ، كما قال تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 96 ، 97 ] وقال في حق المعاندين من أهل الكتاب : ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ) الآية [ البقرة : 145 ] أي : إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مسعد له ، ومن أضله فلا هادي له ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، وبلغهم الرسالة ، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر ، ومن تولى فلا تحزن عليهم ولا يهمدنك ذلك ؛ ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) [ الرعد : 40 ] ، و ( إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل ) [ هود : 12 ].

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى ، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول ، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول.

وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( إن الذين كفروا ) أي : بما أنزل إليك ، وإن قالوا : إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) أي : إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك ، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق ، فقد كفروا بما جاءك ، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك ، فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا ، وقد كفروا بما عندهم من علمك ؟ !وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، قال : نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب ، وهم الذين قال الله فيهم : ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها ) [ إبراهيم : 28 ، 29 ].

والمعنى الذي ذكرناه أولا وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة ، أظهر ، ويفسر ببقية الآيات التي في معناها ، والله أعلم.

وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا ، فقال : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني عبد الله بن المغيرة ، عن أبي الهيثم عن عبد الله بن عمرو ، قال : قيل : يا رسول الله ، إنا نقرأ من القرآن فنرجو ، ونقرأ فنكاد أن نيأس ، فقال : ألا أخبركم ، ثم قال : ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) هؤلاء أهل النار.

قالوا : لسنا منهم يا رسول الله ؟ قال : أجل.

[ وقوله : ( لا يؤمنون ) محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها : ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) أي هم كفار في كلا الحالين ؛ فلهذا أكد ذلك بقوله : ( لا يؤمنون ) ويحتمل أن يكون ( لا يؤمنون ) خبرا لأن تقديره : إن الذين كفروا لا يؤمنون ، ويكون قوله : ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ) جملة معترضة ، والله أعلم ].

تفسير الوسيط للطنطاوي

في هاتين الآيتين بيان لأحوال طائفة ثانية من الناس ، على الضد في طبيعتها وأوصافها ومآلها من الطائفة الأولى التي فازت برضوان الله.

والكفر - بالضم - ضد الإيمان.

وأصله المأخوذ منه الكفر - بالفتح - وهو ستر الشيء وتغطيته ، ومنه سمي الليل كافراً ، لأنه يغطي كل شيء بسواده ، وسمي السحاب كافراً لستره ضوء الشمس.

ثم شاع الكفر في مجرد ستر النعمة ، كأن المنعم عليه قد غطى النعمة بجحوده لها ، ويستعمله الشارع في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

وسمي من لم يؤمن بما يجب الإيمان به بعد الدعوة إليه - كافراً ، لأنه صار بجحوده لذلك الحق وعدم الإذعان إليه كالمغطى له.

والمراد بالذين كفروا في الآية التي معنا ، طائفة معينة صمت آذانها عن الحق ، عناداً وحسداً ، وليس عموم الكافرين ، لأن منهم من دخل في الإسلام بعد نزول هذه الآية.

وسواء : اسم مصدر بمعنى الاستواء والمراد به اسم الفاعل أي : مستو ولذلك يوصف به كما يوصف بالمصدر ، كما في قوله - تعالى - 🙁 قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) أي : مستوية.

والإنذار : إخبار معه تخويف في مدة تتسع للتحفظ من المخوف ، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار ، وأكثر ما يستعمل في القرآن في التخويف من عذاب الله - تعالى -.

والمعنى : إن الذين كفروا برسالتك يا محمد مستو عندهم إنذارك وعدمه ، فهم لا يؤمنون بالحق ، ولا يستجيبون لداعي الهدى ، لسوء استعدادهم ، وفساد فطرهم.

وجاءت جملة " إن الذين كفروا " مستأنفة ولم تعطف على ما قبلها لاختلاف الغرض الذي سيق له الكلام ، إذ في الجمل السابقة حديث عن الكتاب وآثاره وعظمته ، وهنا حديث عن الكافرين وأحوالهم.

وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : " فإن قلت لم قطعت قصة الكفار عن قصة المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله : ( إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ.

وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ ) وغيره من الآيات الكثيرة؟ قلت : ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت.

لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هدى المتقين ، وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت؛ فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب ، وهما على حد لا مجال فيه للعاطف ".

وقوله ( سَوَآءٌ ) خبر إن ( عَلَيْهِمْ ) متعلق به ، و ( أَأَنذَرْتَهُمْ ) مؤول بمصدر فاعل سواء.

أي : إن الذين كفروا سواء عندهم إنذارهم وعدم إنذارهم وإنما استوى لديهم الإنذار وعدمه؛ مع أن الإنذار إنما يواجههم به نبي قوي أمين مؤيد من الله - تعالى - ، لأنهم لما جحدوا نعم الله ، وعموا عن آياته ، وحسدوا رسوله على ما آتاه الله من فضله ، صاروا بسبب ذلك في حضيض جمد معه شعورهم ، وبرد فيه إحساسهم ، فلا تؤثر فيهم موجعات القول ، ولا تنفذ إلى قلوبهم بالغات الحجج.

فهم كما قال الشاعر :لقد أسمعت إذ ناديت حيا.

ولكن لا حياة لمن تناديولم يذكر - سبحانه - التبشير مع الإنذار ، لأنهم ليسوا أهلا للبشارة ، ولأن الإنذار أوقع في القلوب ، والذي لا يتأثر به يكون عدم تأثره بغيره أولى.

ولم يقل - سبحانه - سواء عليك أأنذرتهم أم لم تنذرهم.

الخ ، لأنه بالنسبة له صلى الله عليه وسلم لا يستوي الأمران ، إذ هو في حالة إنذاره لهم مثاب ومأجور ، أما في حالة عدم إنذاره فهو مؤاخذ من الله - تعالى - لأنه مكلف بتبليغ ما أنزل إليه من ربه.

وجملة ( لاَ يُؤْمِنُونَ ) مفسرة لمعنى الجملة التي قبلها ومؤكدة لها ، لأنه حيث كان الإنذار وعدمه سواء ، فلا يتوقع منهم الإيمان.

ولذلك فصلت.

وفي هذه الجملة إخبار بعدم إيمانهم ألبتة ، وذلك لأن حرف " لا " إذا دخل على الفعل المضارع - كما هنا - أفاد أن الفعل لا يقع في المستقبل حتى تقوم قرينة تقصر النفي في المستقبل على وقت محدد.

والحكمة في الإخبار بعدم إيمان هذه الطائفة المعينة من الكفار ، تسلية النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون في صدره حرج من تمردهم وعدم إيمانهم بعد أن قام بواجب دعوتهم ، وفي ذلك تذكرة لكل داع مصلح بأن لا يحترق قلبه أسفاً على قوم أعرضوا عن سلوك الصراط المستقيم ، بعد أن دعاهم إليه ، وبذل قصارى جهده في تبصيرهم وإرشادهم.

تفسير البغوي

قوله ( إن الذين كفروا ) يعني مشركي العرب قال الكلبي : يعني اليهود.

والكفر هو الجحود وأصله من الكفر وهو الستر ومنه سمي الليل كافرا لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزراع كافرا لأنه يستر الحب بالتراب والكافر يستر الحق بجحوده.

والكفر على أربعة أنحاء : كفر إنكار وكفر جحود وكفر عناد وكفر نفاق.

فكفر الإنكار أن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به وكفر الجحود هو أن يعرف الله تعالى بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس وكفر اليهود.

قال الله تعالى : " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " ( 89 - البقرة ) وكفر العناد هو أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا وأما كفر النفاق فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له.

قوله ( سواء عليهم ) أي متساو لديهم ( أأنذرتهم ) خوفتهم وحذرتهم والإنذار إعلام مع تخويف وتحذير وكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا وحقق ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي الهمزتين في أأنذرتهم وكذلك كل همزتين تقعان في أول الكلمة والآخرون يلينون الثانية ( أم ) حرف عطف على الاستفهام ( لم ) حرف جزم لا تلي إلا الفعل لأن الجزم يختص بالأفعال ( تنذرهم لا يؤمنون ) وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله ثم ذكر سبب تركهم الإيمان.

تفسير القرطبي

قوله تعالى : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنونلما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم.

والكفر ضد الإيمان ، وهو المراد في الآية.

وقد يكون بمعنى جحود النعمة والإحسان ، ومنه قوله عليه السلام في النساء في حديث الكسوف : " ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء " قيل : بم يا رسول الله ؟ قال : بكفرهن ، قيل أيكفرن بالله ؟ قال : يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط أخرجه البخاري وغيره.

وأصل الكفر في كلام العرب : الستر والتغطية ، ومنه قول الشاعر :في ليلة كفر النجوم غمامهاأي سترها.

ومنه سمي الليل كافرا ، لأنه يغطي كل شيء بسواده ، قال الشاعر : [ ثعلبة بن صعيرة ] :فتذكرا ثقلا رثيدا بعدما ألقت ذكاء يمينها في كافرذكاء ( بضم الذال والمد ) : اسم للشمس ، ومنه قول الآخر :فوردت قبل انبلاج الفجر وابن ذكاء كامن في كفرأي في ليل.

والكافر أيضا : البحر والنهر العظيم.

والكافر : الزارع ، والجمع كفار ، قال الله تعالى : كمثل غيث أعجب الكفار نباته.

يعني الزراع لأنهم يغطون الحب.

ورماد مكفور : سفت الريح عليه التراب.

والكافر من الأرض : ما بعد عن الناس لا يكاد ينزله ولا يمر به أحد ، ومن حل بتلك المواضع فهم أهل الكفور.

ويقال الكفور : القرى.

قوله تعالى : سواء عليهم معناه معتدل عندهم الإنذار وتركه ، أي سواء عليهم هذا.

وجيء بالاستفهام من أجل التسوية ، ومثله قوله تعالى : سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين.

وقال الشاعر :وليل يقول الناس من ظلماته سواء صحيحات العيون وعورهاقوله تعالى : أأنذرتهم الإنذار الإبلاغ والإعلام ، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز ، فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعارا ولم يكن إنذارا ، قال الشاعر :أنذرت عمرا وهو في مهل قبل الصبح فقد عصى عمرووتناذر بنو فلان هذا الأمر إذا خوفه بعضهم بعضا.

واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقيل : هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقت عليه كلمة العذاب ، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره.

أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحدا.

وقال ابن عباس والكلبي : نزلت في رؤساء اليهود ، منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما.

وقال الربيع بن أنس : نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب ، والأول أصح ، فإن من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب عنه بموته على الكفر ، وذلك داخل في ضمن الآية.

قوله تعالى ( لا يؤمنون ) موضعه رفع خبر ( إن ) أي إن الذين كفروا لا يؤمنون.

وقيل : خبر ( إن ) ( سواء ) وما بعده يقوم مقام الصلة ، قاله ابن كيسان.

وقال محمد بن يزيد : ( سواء ) رفع بالابتداء ، أأنذرتهم أم لم تنذرهم الخبر ، والجملة خبر ( إن ).

قال النحاس : أي إنهم تبالهوا فلم تغن فيهم النذارة شيئا.

واختلف القراء في قراءة أأنذرتهم فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق : " آنذرتهم " بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية ، واختارها الخليل وسيبويه ، وهي لغة قريش وسعد بن بكر ، وعليها قول الشاعر : [ ذو الرمة ] :أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النقا آنت أم أم سالمهجاء " آنت " ألف واحدة.

وقال آخر :تطاللت فاستشرفته فعرفته فقلت له آنت زيد الأرانبوروي عن ابن محيصن أنه قرأ : أنذرتهم أم لم تنذرهم بهمزة لا ألف بعدها ، فحذف لالتقاء الهمزتين ، أو لأن أم تدل على الاستفهام ، كما قال الشاعر :تروح من الحي أم تبتكر وماذا يضيرك لو تنتظرأراد : أتروح ، فاكتفى ب ( أم ) من الألف.

وروي عن ابن أبي إسحاق أنه قرأ : " ( أاأنذرتهم ) فحقق الهمزتين وأدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما.

قال أبو حاتم : ويجوز أن تدخل بينهما ألفا وتخفف الثانية ، وأبو عمرو ونافع يفعلان ذلك كثيرا.

وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين : أأنذرتهم وهو اختيار أبي عبيد ، وذلك بعيد عند الخليل.

وقال سيبويه : يشبه في الثقل ضننوا.

قال الأخفش : ويجوز تخفيف الأولى من الهمزتين ، وذلك رديء ; لأنهم إنما يخففون بعد الاستثقال ، وبعد حصول الواحدة.

قال أبو حاتم : ويجوز تخفيف الهمزتين جميعا.

فهذه سبعة أوجه من القراءات ، ووجه ثامن يجوز في غير القرآن ; لأنه مخالف للسواد.

قال الأخفش سعيد : تبدل من الهمزة هاء تقول : هأنذرتهم ، كما يقال هياك وإياك ، وقال الأخفش في قوله تعالى : ( ها أنتم ) إنما هو أأنتم.

تفسير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6)اختلف أهل التأويل فيمن عُنِي بهذه الآية, وفيمن نزلَتْ.

فكان ابن عباس يقول, كما:-295- حدثنا به محمد بن حميد, قال حدثنا سلمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " إن الذين كفروا "، أي بما أنزِل إليك من ربِّك, وإن قالوا إنا قد آمنا بما قد جاءنا من قبلك (1).

وكان ابن عباس يرى أنَّ هذه الآية نزلتْ في اليهود الذين كانوا بنَواحي المدينةِ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، توبيخًا لهم في جُحودهم نبوَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبِهم به, مع علمهم به ومعرفتِهم بأنّه رسولُ الله إليهم وإلى الناس كافّة.

296- وقد حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سَلَمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أن صَدر سورة البقرة إلى المائة منها، نزل في رجال سَمَّاهم بأعيانهم وأنْسَابهم من أحبار يهود, من المنافقين من الأوس والخزرج.

كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم (2).

وقد رُوِي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر, وهو ما:-297- حدثنا به المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس، قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرِصُ أن يؤمن جميعُ الناس ويُتَابعوه على الهدى، فأخبره الله جل ثناؤه أنه لا يؤمنُ إلا من سبق له من الله السعادةُ في الذّكْر الأول, ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاءُ في الذكر الأول (3).

وقال آخرون بما:-298- حُدِّثت به عن عمار بن الحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه, عن الربيع بن أنس, قال: آيتان في قادةِ الأحزاب: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )، قال: وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ [سورة إبراهيم: 28، 29]، قال: فهم الذين قُتلوا يوم بدر (4).

وأولى هذه التأويلات بالآية تأويلُ ابن عباس الذي ذكره محمد بن أبي محمد, عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير عنه.

وإنْ كان لكلِّ قول مما قاله الذين ذكرنا قولهم في ذلك مذهب.

فأما مذهب من تأوَّل في ذلك ما قاله الربيع بن أنس, فهو أنّ الله تعالى ذكره لمّا أخبرَ عن قوم من أهل الكفر بأنهم لا يؤمنون, وأن الإنذارَ غيرُ نافعهم, ثم كانَ من الكُفّار من قد نَفَعه الله بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إيّاه، لإيمانه بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله بعد نزول هذه السورة (5) - لم يَجُز أن تكون الآية نزلت إلا في خاصٍّ من الكفار وإذ كان ذلك كذلك - وكانت قادةُ الأحزاب لا شك أنَّهم ممن لم ينفعه الله عز وجل بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إياه، حتى قتلهم الله تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدرٍ - عُلم أنهم مِمّن عنَى الله جل ثناؤه بهذه الآية.

وأمَّا عِلَّتُنا في اختيارنا ما اخترنا من التأويل في ذلك, فهي أنّ قول الله جل ثناؤه إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون )، عَقِيبَ خبر الله جل ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب, وعَقِيبَ نعتهم وصِفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله.

فأوْلى الأمور بحكمة الله، أن يُتلِيَ ذلك الخبرَ عن كُفّارهم ونُعُوتهم، وذمِّ أسبابهم وأحوالهم (6) ، وإظهارَ شَتْمهم والبراءةَ منهم.

لأن مؤمنيهم ومشركيهم -وإن اختلفت أحوالهم باختلاف أديانهم- فإن الجنس يجمع جميعَهم بأنهم بنو إسرائيل.

وإنما احتجّ الله جلّ ثناؤه بأوّل هذه السورة لنبيِّه صلى الله عليه وسلم على مشرِكي اليهود من أحبار بني إسرائيل، الذين كانوا مع علمهم بنبوّته مُنْكِرين نبوّته - بإظهار نبيِّه صلى الله عليه وسلم على ما كانت تُسِرُّه الأحبار منهم وتكتُمه، فيجهلُهُ عظْم اليهود وتعلمُه الأحبار منهم (7) - ليعلموا أن الذي أطلعه على علم ذلك، هو الذي أنزل الكتابَ على موسى.

إذْ كان ذلك من الأمور التي لم يكنْ محمد ص[ 1-254]صلى الله عليه وسلم ولا قومُه ولا عشيرتُه يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم, فيمكنَهم ادّعاء اللَّبس في أمره عليه السلام أنه نبيٌّ, وأنّ ما جاء به فمن عند الله (8).

وأنَّى يُمكنُ ادّعاء اللَّبس في صدق أمِّيٍّ نشأ بين أمِّيِّين لا يكتب ولا يقرأ, ولا يحسُب, فيقال قرأ الكتب فعَلِم، أو حَسَب (9) فنجَّم؟ وانبعثَ على أحْبارٍ قُرَّاءٍ كَتَبَة (10) - قد دَرَسوا الكتب ورَأسوا الأمم - يخْبرهم عن مستور عُيوبهم, ومَصُون علومهم, ومكتوم أخبارهم, وخفيّات أمورهم التي جهلها من هو دونهم من أحبارهم.

إنّ أمرَ من كان كذلك لغَيرُ مُشْكِلٍ, وإنّ صدقَه لبَيِّن.

ومما ينبئ عن صحة ما قُلنا - من أنّ الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) هُم أحبارُ اليهود الذين قُتلوا على الكفرِ وماتوا عليه - اقتصاصُ الله تعالى ذكره نَبأهم، وتذكيرُه إياهم ما أخَذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمدٍ عليه السلام، بَعْد اقتصاصه تعالى ذكرُه ما اقتصّ من أمر المنافقين، واعتراضِه بين ذلك بما اعترضَ به من الخبر عن إبليسَ وآدمَ - في قوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [سورة البقرة: 40 وما بعدها]، واحتجاجُه لنبيِّه عليهم، بما احتجَّ به عليهم فيها بعد جُحُودهم نبوّته.

فإذْ كان الخبر أوّلا عن مُؤمِني أهل الكتاب، وآخرًا عن مشركيهم, فأولى أن يكون وَسطًا:- عنهم.

إذْ كان الكلامُ بعضُه لبعض تَبَعٌ, إلا أن تأتيهم دلالةٌ واضحةٌ بعُدول بعض ذلك عما ابتَدأ به من معانيه, فيكونَ معروفًا حينئذ انصرافه عنه.

وأما معنى الكفر في قوله " إن الذين كفروا " فإنه الجُحُود.

وذلك أن الأحبار من يَهودِ المدينة جحدوا نبوّةَ محمد صلى الله عليه وسلم وستَروه عن الناس وكتمُوا أمره, وهُمْ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.

وأصْلُ الكفر عند العرب: تَغطيةُ الشيء, ولذلك سمَّوا الليل " كافرًا "، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه, كما قال الشاعر:فَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا, بَعْدَ مَاأَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ (11)وقال لبيدُ بن ربيعة:فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا (12)يعني غَطَّاها.

فكذلك الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم - فقال الله جل ثناؤه فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ [سورة البقرة: 159]، وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ).

-----------الهوامش :(1) الخبر 295- ذكره ابن كثير 1 : 82 مع باقيه الآتي : 299.

وساقه السيوطي 1 : 29 بأطول من ذلك ، زاد فيه ما يأتي : 307 ، 311 ، ونسبه أيضًا لابن إسحاق وابن أبي حاتم ، وكذلك نسبه الشوكاني 1 : 28 دون الزيادة الأخيرة.

(2) الخبر 296- ذكره ابن كثير 1 : 86 بنحوه ، من رواية ابن إسحاق.

ونقله السيوطي 1 : 29 بلفظ الطبري ، عنه وعن ابن إسحاق.

ونقله الشوكاني موجزًا 1 : 29.

ومن الواضح أن قوله"كرهنا تطويل الكتاب.

" من كلام الطبري نفسه.

وانظر ما يأتي : 312.

(3) الخبر 297- هو في ابن كثير 1 : 82 ، والسيوطي 1 : 28 - 29 ، والشوكاني 1 : 28 ، ونسباه أيضًا لابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي.

(4) الأثر 298- هكذا هو في الطبري ، من قول الربيع بن أنس.

وذكره ابن كثير 1 : 82 - 83 مختصرًا من رواية الربيع بن أنس عن أبي العالية ، ولم يذكر من خرجه.

ونقله السيوطي 1 : 29 ، والشوكاني 1 : 28 ، بأطول مما هنا بذكر الأثر : 309 معه ، من قول أبي العالية أيضًا ، ونسباه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

فالظاهر أن الطبري قصر بإسناده أو قصر به شيخه المبهم.

(5) سياق عبارته"فهو أن الله تعالى ذكره لما أخبر عن قوم.

لم يجز.

"(6) الأسباب جمع سبب : وأراد بها الطرق والوسائل.

(7) عظم اليهود : معظمهم وأكثرهم.

(8) في المطبوعة : "من عند الله".

(9) يعني بالحساب هنا : حساب سير الكواكب وبروجها ، وبها يعرف المنجم أخبار ما يدّعى من علم الغيب.

(10) في المطبوعة : "وانبعث على أحبار" ، كأنه معطوف على كلام سابق.

وليس صحيحًا ، بل هو استئناف كلام جديد.

(11) الشعر لثعلبة بن صعير المازني ، شرح المفضليات : 257.

والضمير في قوله"فتذكرا" للنعامة والظليم.

والثقل : بيض النعام المصون ، والعرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون : ثقل.

ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد : وضع بعضه فوق بعض ونضده.

وعنى بيض النعام ، والنعام تنضده وتسويه بعضه إلى بعض.

وذكاء : هي الشمس.

(12) معلقته المشهورة ، ويأتي في تفسير آية سورة المائدة : 12 (6 : 98 بولاق).

ويروى "ظلامها".

وصدره :" يَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا"يعني البقرة الوحشية ، قد ولجت كناسها في أصل شجرة ، والرمل يتساقط على ظهرها.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6)وتأويل " سواءٌ": معتدل.

مأخوذ من التَّساوي, كقولك: " مُتَساوٍ هذان الأمران عندي", و " هما عِندي سَواءٌ"، أي هما متعادلان عندي، ومنه قول الله جل ثناؤه: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [سورة الأنفال: 58]، يعني: أعْلمهم وآذِنْهم بالحرب، حتى يَستوي علمُك وعلمُهم بما عليه كلُّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخر.

فكذلك قوله " سَواءٌ عليهم ": معتدلٌ عندهم أيّ الأمرين كان منك إليهم، الإنذار أم ترك الإنذار لأنهم لا يؤمنون (13) ، وقد خَتمتُ على قلوبهم وسمعهم.

ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرُّقَيَّات:تُغِذُّ بيَ الشّهبَاءُ نَحْوَ ابن جَعْفٍرسَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا ونَهَارُهَا (14)يعني بذلك: معتدلٌ عندها في السير الليلُ والنهارُ, لأنه لا فُتُورَ فيه.

ومنه قول الآخر (15)وَلَيْلٍ يَقُولُ المَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِهسَوَاءٌ صَحِيحَاتُ العُيُونِ وَعُورُهَالأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرًا ضعيفًا من ظُلْمته.

وأما قوله: ( أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )، فإنه ظهرَ به الكلام ظهورَ الاستفهام وهو خبرٌ ; لأنه وَقع مَوقع " أيّ" كما تقول: " لا نُبالي أقمتَ أم قعدت ", وأنت مخبرٌ لا مستفهم، لوقوع ذلك موقع " أي".

وذلك أنّ معناه إذا قلتَ ذلك: ما نبالي أيّ هذين كان منك.

فكذلك ذلك في قوله: " سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم "، لمَّا كان معنى الكلام: سواءٌ عليهم أيُّ هذين كان منك إليهم - حسُن في موضعه مع سواءٌ: " أفعلتَ أم لم تفعل ".

وكان بعضُ نحوِيِّي البصرة يزعمُ أنّ حرفَ الاستفهام إنما دَخَل مع " سواء "، وليس باستفهام, لأن المستفهِم إذا استفهَم غيرَه فقال: " أزيد عندك أم عمرو؟" مستثبتٌ صاحبه أيُّهما عنده.

فليس أحدُهما أحقَّ بالاستفهام من الآخر.

فلما كان قوله: " سَواء عليهم أأنذرتهم أم لم تُنذرهم " بمعنى التسوية, أشبه ذلك الاستفهامَ، إذ أشبهه في التَّسوية.

وقد بينّا الصَّواب في ذلك.

فتأويل الكلام إذًا: معتدلٌ يا محمد - على هؤلاء الذين جحدوا نبوَّتك من أحبار يهود المدينة بعد علمهم بها, وكتموا بيان أمرك للناس بأنك رسولي إلى خلقي, وقد أخذتُ عليهم العهدَ والميثاقَ أن لا يكتموا ذلك، وأن يبيِّنوه للناس، وُيخْبرُوهم أنهم يجدُون صِفَتَك في كتبهم - أأنذرتهم أم لم تنذرهم، فإنهم لا يؤمنون، ولا يرجعون إلى الحق، ولا يصدقونَ بك وبما جئتَهم به.

كما:-299- حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا سلمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )، أي أنهم قد كفروا بما عندهم من العِلْم من ذكرٍ، وجحدوا ما أخِذ عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك, فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟ (16).

---------------الهوامش :(13) في المطبوعة"كانوا لا يؤمنون".

(14) ديوانه : 163 ، والكامل للمبرد 1 : 398 ، 399.

يمدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

أغذ السير وأغذ فيه : أسرع.

ورواية ديوانه ، والكامل"تقدت".

وتقدى به بعيره : أسرع على سنن الطريق.

والشهباء : فرسه ، للونها الأشهب ، وهو أن يشق سوادها أو كمتتها شعرات بيض حتى تكاد تغلب السواد أو الكمتة.

(15) الشعر لمضرس بن ربعي الفقعسي.

حماسة ابن الشجري : 204.

(16) الخبر 299- سبق تخريجه مع الخبر 295.