تفسير: إن الذين يشترون بعهد…، الآية 77 من سورة آل عمران

الآية 77 من سورة آل عمران

قال تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ) [آل عمران - الآية 77]

تفسير جلالين

ونزل في اليهود لما بدلوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الله إليهم في التوراة وفيمن حلف كاذبا في دعوى أو في بيع سلعة: «إن الذين يشترون» يستبدلون «بعهد الله» إليهم في الإيمان بالنبي وأداء الأمانة «وأيمانهم» حلفهم به تعالى كاذبين «ثمنا قليلا» من الدنيا «أولئك لا خَلاق» نصيب «لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله» غضبا عليهم «ولا ينظر إليهم» يرحمهم «يوم القيامة ولا يزكِّيهم» يطهرهم «ولهم عذاب أليم» مؤلم.

تفسير السعدي

الذين يقولون ليس علينا في الأميين سبيل، فإنهم داخلون في قوله: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ويدخل في ذلك كل من أخذ شيئا من الدنيا في مقابلة ما تركه من حق الله أو حق عباده، وكذلك من حلف على يمين يقتطع بها مال معصوم فهو داخل في هذه الآية، فهؤلاء لا خلاق لهم في الآخرة أي: لا نصيب لهم من الخير ولا يكلمهم الله يوم القيامة غضبا عليهم وسخطا، لتقديمهم هوى أنفسهم على رضا ربهم ولا يزكيهم أي: يطهرهم من ذنوبهم، ولا يزيل عيوبهم ولهم عذاب أليم أي: موجع للقلوب والأبدان، وهو عذاب السخط والحجاب، وعذاب جهنم، نسأل الله العافية.

تفسير بن كثير

يقول تعالى : إن الذين يعتاضون عما عهدهم الله عليه ، من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وذكر صفته الناس ، وبيان أمره ، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة ، وهي عروض هذه الدنيا الفانية الزائلة أولئك لا خلاق لهم في الآخرة أي : لا نصيب لهم فيها ، ولا حظ لهم منها " ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة " أي : برحمة منه لهم ، بمعنى : لا يكلمهم كلام لطف بهم ، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة " ولا يزكيهم " أي : من الذنوب والأدناس ، بل يأمر بهم إلى النار " ولهم عذاب أليم " وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة فلنذكر ما تيسر منها :الحديث الأول : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا شعبة قال : علي بن مدرك أخبرني قال : سمعت أبا زرعة ، عن خرشة بن الحر ، عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " قلت : يا رسول الله ، من هم ؟ خابوا وخسروا.

قال : وأعاده رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ثلاث مرات قال : " المسبل ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ، والمنان ".

ورواه مسلم ، وأهل السنن ، من حديث شعبة ، به.

طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا إسماعيل ، عن الحريري ، عن أبي العلاء بن الشخير ، عن أبي الأحمس قال : لقيت أبا ذر ، فقلت له : بلغني عنك أنك تحدث حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال : أما إنه لا تخالني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما سمعته منه ، فما الذي بلغك عني ؟ قلت : بلغني أنك تقول : ثلاثة يحبهم الله ، وثلاثة يشنؤهم الله عز وجل.

قال : قلته وسمعته.

قلت : فمن هؤلاء الذين يحبهم الله ؟ قال : الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه.

والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحنوا أن يمسوا الأرض فينزلون ، فيتنحى أحدهم فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم.

والرجل يكون له الجار يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن.

قلت : ومن هؤلاء الذين يشنأ الله ؟ قال : التاجر الحلاف - أو البائع الحلاف - والفقير المختال ، والبخيل المنان غريب من هذا الوجه.

الحديث الثاني : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن جرير بن حازم قال : حدثنا عدي بن عدي ، أخبرني رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة عن أبيه عدي - هو ابن عميرة الكندي - قال : خاصم رجل من كندة يقال له : امرؤ القيس بن عابس رجلا من حضرموت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض ، فقضى على الحضرمي بالبينة ، فلم يكن له بينة ، فقضى على امرئ القيس باليمين.

فقال الحضرمي : إن أمكنته من اليمين يا رسول الله ذهبت ورب الكعبة أرضي.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان " قال رجاء : وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) فقال امرؤ القيس : ماذا لمن تركها يا رسول الله ؟ فقال : الجنة " قال : فاشهد أني قد تركتها له كلها.

ورواه النسائي من حديث عدي بن عدي ، به.

الحديث الثالث : قال أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين هو فيها فاجر ، ليقتطع بها مال امرئ مسلم ، لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان ".

فقال الأشعث : في والله كان ذلك ، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني ، فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألك بينة ؟ " قلت : لا ، فقال لليهودي : " احلف " فقلت : يا رسول الله ، إذا يحلف فيذهب مالي.

فأنزل الله عز وجل : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) [ إلى آخر ] الآية : أخرجاه من حديث الأعمش.

طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن شقيق بن سلمة ، حدثنا عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان " قال : فجاء الأشعث بن قيس فقال : ما يحدثكم أبو عبد الرحمن ؟ فحدثناه ، فقال : في كان هذا الحديث ، خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بئر لي كانت في يده ، فجحدني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه " قال : قلت : يا رسول الله ، ما لي بينة ، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري ، إن خصمي امرؤ فاجر.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان " قال : وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا [ أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ] ).

الحديث الرابع : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غيلان ، حدثنا رشدين عن زبان ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن لله تعالى عبادا لا يكلمهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم " قيل : ومن أولئك يا رسول الله ؟ قال : " متبرئ من والديه راغب عنهما ، ومتبرئ من ولده ، ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم ".

الحديث الخامس : قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا هشيم ، أنبأنا العوام - يعني ابن حوشب - عن إبراهيم بن عبد الرحمن - يعني السكسكي - عن عبد الله بن أبي أوفى : أن رجلا أقام سلعة له في السوق ، فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ، ليوقع فيها رجلا من المسلمين ، فنزلت هذه الآية : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) ورواه البخاري ، من غير وجه ، عن العوام.

الحديث السادس : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده ، ورجل حلف على سلعة بعد العصر - يعني كاذبا - ورجل بايع إماما ، فإن أعطاه وفى له ، وإن لم يعطه لم يف له ".

ورواه أبو داود ، والترمذي ، من حديث وكيع ، وقال الترمذي : حسن صحيح.

تفسير الوسيط للطنطاوي

روى المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الآية روايات منها:ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقى الله وهو عليه غضبان» قال عبد الله.

ثم قرأ علينا رسول الله مصداقه من كتاب الله، إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ إلخ.

وفي رواية قال: «من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله- تعالى- تصديق ذلك إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ.

قال عبد الله:فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن قلنا: كذا وكذا.

فقال: صدق.

في نزلت، كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: شاهداك أو يمينه؟ قلت: إنه إذا يحلف ولا يبالى فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان» ، ونزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ.

وروى البخاري عن عبد الله بن أوفى أن رجلا أقام سلعة في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ.

وقال الفخر الرازي: قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا».

هذه ثلاث روايات في سبب نزول تلك الآية الكريمة، وأرجحها رواية الشيخين، ولذا وجب الأخذ بها إلا أن نزول الآية في قصة معينة لا يمنع شمول حكمها لكل ما يشبه هذه القصة أو الحادثة، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب- كما يرى جمهور العلماء-.

فكل من حلف بالله كاذبا، واشترى بعهده- سبحانه- ثمنا قليلا حقت عليه العقوبة التي بينتها الآية الكريمة.

ويدخل تحت هذه العقوبة دخولا أوليا أولئك اليهود الذين خانوا عهد الله بإنكارهم لنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم مع أنهم يعرفون صدقه معرفة جليلة.

والمراد بقوله يَشْتَرُونَ أى يستبدلون، وذلك لأن المشترى يأخذ شيئا ويعطى شيئا.

فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر.

والمراد بِعَهْدِ اللَّهِ كل ما يجب الوفاء به، فيدخل فيه ما أوجبه الله- تعالى- على عباده من فرائض وتكاليف، ومن إيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما يدخل فيه- أيضا- ما أوجبه الله على أهل الكتاب من الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم الذي يجدون نعته في كتبهم، ويعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم.

والباء في قوله- تعالى-: بِعَهْدِ اللَّهِ داخلة على المتروك الذي تركوه وأخذوا في مقابله الثمن القليل.

وقوله وَأَيْمانِهِمْ معطوف على عهد الله.

والمراد بأيمانهم تلك: الأيمان الكاذبة التي يحلفونها ليؤكدوا ما يريدون تأكيده من أقوال أو أفعال.

والمراد بالثمن القليل: حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو المال والمنافع الزائلة، التي أخذوها نظير تركهم لعهود الله، وحلفهم الكاذب.

وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل نظير خيانة عهود الله تحقيرا له، إذ أنه لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله والوفاء بعهوده.

وقوله أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أى الذين يخونون عهد الله ويحلفون الأيمان الكاذبة في مقابل عرض من أعراض الدنيا، لا نصيب لهم ولا حظ من نعيم الآخرة بسبب ما ارتكبوه من غدر وافتراء.

وقوله وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ أى لا يكلمهم بما يسرهم بل يكلمهم بما يسوؤهم ويخزيهم يوم القيامة بسبب أعمالهم السيئة.

أو أن عدم كلام الله- تعالى- لهم: كناية عن عدم محبته لهم، لأن من عادة المحب أن يقبل على حبيبه ويتحدث إليه، أما المبغض لشيء، فإنه ينصرف عنه.

وإلى هذا المعنى ذهب الإمام الرازي فقد قال ما ملخصه: «وقوله- تعالى- وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ فيه سؤال وهو أنه- تعالى- قال: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.

عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ فكيف الجمع بين الآية التي معنا وبين قوله لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ والجواب: أن المقصود من كل هذه الكلمات: بيان شدة سخط الله عليهم، لأن من منع غيره كلامه، فإنما ذلك بسخط عليه، وإذا سخط إنسان على آخر قال له: لا أكلمك، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول: لا أرى وجه فلان، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل، فثبت أن الآية كناية عن شدة الغضب نعوذ بالله منه.

وهذا هو الجواب الصحيح» وقوله وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أى لا يعطف عليهم ولا يرحمهم ولا يحسن إليهم، وذلك كما يقول القائل لغيره: انظر إلى، يريد: ارحمني واعطف على.

ويقال: فلان لا ينظر إلى فلان، والمراد من ذلك نفى الإحسان إليه وترك الاعتداد به، فقد جرت العادة بأن من اعتد بإنسان وعطف عليه التفت إليه.

قالوا: فلهذا السبب صار المراد بعدم نظر الله- تعالى- إلى هؤلاء الخائنين عبارة عن ترك العطف عليهم والإحسان إليهم والرحمة بهم.

ولا يجوز أن يكون المراد من عدم النظر إليهم، عدم رؤيتهم، لأنه- سبحانه- يراهم كما يرى غيرهم من خلقه.

وقوله- تعالى- وَلا يُزَكِّيهِمْ أى أنه- سبحانه- لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وأوزارهم بالمغفرة، بل يعاقبهم عليها.

أو أنه- سبحانه- لا يثنى عليهم كما يثنى على الصالحين من عباده، بل يسخط عليهم وينتقم منهم جزاء غدرهم.

ثم ختم- سبحانه- الآية ببيان النتيجة المترتبة على هذا الغضب منه عليهم، فقال: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.

أى ولهم عذاب مؤلم موجع بسبب ما ارتكبوه من آثام وسيئات.

فأنت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا بأنهم لا حظ لهم من نعيم الآخرة، وأنهم ليسوا أهلا لرضا الله ورحمته وإحسانه، وأنهم سينالون العذاب المؤلم الموجع بسبب ما قدمت أيديهم.

تفسير البغوي

قوله تعالى : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) قال عكرمة : نزلت في رؤوس اليهود ، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم المآكل والرشا التي كانت لهم من أتباعهم.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا موسى بن إسماعيل ، أنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان " فأنزل الله تعالى تصديق ذلك ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) إلى آخر الآية ، فدخل الأشعث بن قيس فقال : ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا : كذا وكذا ، فقال : في أنزلت ، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال : " هات بينتك أو يمينه " قلت : إذا يحلف عليها يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان ".

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا قتيبة بن سعيد أنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر ، عن أبيه قال : جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ، فقال الحضرمي : يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي ، فقال الكندي : هي أرض في يدي أزرعها ، ليس له فيها حق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي : " ألك بينة " ؟ قال : لا قال : " فلك يمينه " قال : يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما يحلف عليه ، قال : " ليس لك منه إلا ذلك " فانطلق ليحلف له ، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض " ورواه عبد الملك بن عمير عن علقمة ، وقال هو امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان.

وروي : لما هم أن يحلف نزلت هذه الآية فامتنع امرؤ القيس أن يحلف ، وأقر لخصمه بحقه ودفعه إليه.

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي ، أنا أبو مصعب عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن سعيد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار " قالوا : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال : " وإن كان قضيبا من أراك " قالها ثلاث مرات.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عمرو بن محمد ، أنا هشيم بن محمد أنا العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط ليوقع فيها رجلا من المسلمين ، فنزلت : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ).

قوله تعالى : ( إن الذين يشترون ) أي : يستبدلون ( بعهد الله ) وأراد الأمانة ، ( وأيمانهم ) الكاذبة ( ثمنا قليلا ) أي : شيئا قليلا من حطام الدنيا ، ( أولئك لا خلاق لهم ) لا نصيب لهم ( في الآخرة ) ونعيمها ، ( ولا يكلمهم الله ) كلاما ينفعهم ويسرهم ، وقيل : هو بمعنى الغضب ، كما يقول الرجل : إني لا أكلم فلانا إذا كان غضب عليه ، ( ولا ينظر إليهم يوم القيامة ) أي : لا يرحمهم ولا يحسن إليهم ولا ينيلهم خيرا ، ( ولا يزكيهم ) أي : لا يثني عليهم بالجميل ولا يطهرهم من الذنوب ، ( ولهم عذاب أليم )أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنا عبد الغفار بن محمد الفارسي ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد ، أنا سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا محمد بن جعفر ، عن شعبة عن علي بن مدرك عن أبي زرعة عن خرشة بن الحر عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " قال : قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال أبو ذر : خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال : " المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " في رواية : " المسبل إزاره ".

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أسيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي أنا أبو نصر محمد بن حمدويه المروزي ، أنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار عن أبي صالح ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، رجل حلف يمينا على مال مسلم فاقتطعه ، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد صلاة العصر أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب ، ورجل منع فضل ماله فإن الله تعالى يقول : اليوم أمنعك فضل ما لم تعمل يداك ".

تفسير القرطبي

قوله تعالى : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليمفيه مسألتان :الأولى روى الأئمة عن الأشعث بن قيس قال : كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هل لك بينة ) ؟ قلت لا ، قال لليهودي : ( احلف ) قلت : إذا يحلف فيذهب بمالي ; فأنزل الله تعالى : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى آخر الآية.

وروى الأئمة أيضا عن أبي أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة.

فقال له رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال : ( وإن كان قضيبا من أراك ).

وقد مضى في البقرة معنى لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم.

الثانية : ودلت هذه الآية والأحاديث أن حكم الحاكم لا يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانه ; وقد روى الأئمة عن أم سلمة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة.

وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة ، وإنما ناقض أبو حنيفة وغلا وقال : إن حكم الحاكم المبني على الشهادة الباطلة يحل الفرج لمن كان محرما عليه ; كما تقدم في البقرة.

وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أن القضية باطل.

وقد شنع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح ، وبأنه صان الأموال ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة ، ولم يصن الفروج عن ذلك ، والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان.

وسيأتي بطلان قوله في آية اللعان إن شاء الله تعالى.

تفسير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ الذين يستبدلون - بتركهم عهد الله الذي عهد إليهم، ووصيته التي أوصاهم بها في الكتب التي أنزلها الله إلى أنبيائه، باتباع محمد وتصديقه والإقرار به وما جاء به من عند الله - وبأيمانهم الكاذبة التي يستحلون بها ما حرّم الله عليهم من أموال الناس التي ائتمنوا عليها (44) =" ثمنًا "، يعني عوضًا وبدلا خسيسًا من عرض الدنيا وحُطامها (45) =" أولئك لا خلاق لهم في الآخرة "، يقول: فإن الذين يفعلون ذلك لا حظ لهم في خيرات الآخرة، ولا نصيب لهم من نعيم الجنة وما أعدّ الله لأهلها فيها دون غيرهم.

(46)* * *وقد بينا اختلاف أهل التأويل فيما مضى في معنى " الخلاق "، ودللنا على أولى أقوالهم في ذلك بالصواب، بما فيه الكفاية.

(47)* * *وأما قوله: " ولا يكلمهم الله "، فإنه يعني: ولا يكلمهم الله بما يسرُّهم =" ولا ينظر إليهم "، يقول: ولا يعطف عليهم بخير، مقتًا من الله لهم، كقول القائل لآخر: " انظُر إليّ نَظر الله إليك "، بمعنى: تعطف عليّ تعطّف الله عليك بخير ورحمة = وكما يقال للرجل: " لا سمع الله لك دعاءَك "، يراد: لا استجاب الله لك، والله لا يخفى عليه خافية، وكما قال الشاعر: (48)دَعَوْتُ اللهَ حَتى خِفْتُ أَنْ لايَكْونَ اللهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ (49)* * *وقوله " ولا يُزكيهم "، يعني: ولا يطهرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم =" ولهم عذاب أليم "، يعني: ولهم عذابٌ موجع.

(50)* * *واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية، ومن عني بها.

فقال بعضهم نزلت في أحبار من أحبار اليهود.

ذكر من قال ذلك:7278 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا "، في أبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب.

* * *وقال آخرون: بل نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له.

ذكر من قال ذلك:7279 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حَلف على يمين هو فيها فاجرٌ ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان = فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك: كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ فجحدني، فقدّمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك بيِّنة؟ قلت: لا! فقال لليهودي: " احلفْ.

قلت: يا رسول الله، إذًا يحلف فيذهبَ مالي! فأنزل الله عز وجل: " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية.

(51)7280 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا جرير بن حازم، عن عدي بن عدي، عن رجاء بن حيوة والعُرس أنهما حدثاه، عن أبيه عدي بن عميرة قال: كان بين امرئ القيس ورجل من حضرموت خصومةٌ، فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للحضرمي: " بيِّنَتَك، وإلا فيمينه ".

قال: يا رسول الله، إن حلف ذهب بأرضي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حقّ أخيه ، لقي الله وهو عليه غضبان.

فقال امرؤ القيس: يا رسول الله، فما لمن تركها، وهو يعلم أنها حقّ؟ قال: الجنة.

قال: فإني أشهدك أني قد تركتها = قال جرير: فكنت مع أيوب السختياني حين سمعنا هذا الحديث من عدي، فقال أيوب: إنّ عديًّا قال في حديث العُرْس بن عميرة: فنزلت هذه الآية: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " إلى آخر الآية = قال جرير: ولم أحفظ يومئذ من عدي.

(52)7281 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال آخرون: إن الأشعث بن قيس اختصم هو ورجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض كانت في يده لذلك الرجل، أخذها لتعزُّزه في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أقم بينتك.

قال الرجل: ليس يشهد لي أحدٌ على الأشعث! قال: فلك يمينه.

فقام الأشعث ليحلف، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فنكلَ الأشعَث وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أنّ خصمي صادق.

فرد إليه أرضَه، وزاده من أرض نفسه زيادةً كثيرةً، مخافة أن يبقى في يده شيء من حقه، فهي لعقب ذلك الرجل بعده.

(53)7282 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن شقيق، عن عبد الله قال: من حلف على يمين يستحقّ بها مالا هو فيها فاجرٌ، لقي الله وهو عليه غضبان، ثم أنزل الله تصديق ذلك: " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية.

ثم إن الأشعث بن قيس خَرَج إلينا فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه بما قال، فقال: صَدَق، لفيَّ أنزلت! كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " شاهداك أو يمينه.

فقلت: إذًا يحلف ولا يُبالي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من حلف على يمين يستحقّ بها مالا هو فيها فاجرٌ، لقي الله وهو عليه غضبان "، ثم أنزل الله عز وجل تصديقَ ذلك: " إنّ الذين يشترُون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا "، الآية.

(54)* * *وقال آخرون بما:-7283 - حدثنا به محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب قال، أخبرني داود بن أبي هند، عن عامر: أنّ رجلا أقام سِلعته أوّل النهار، فلما كان آخرُه جاء رجل يساومه، فحلفَ لقد منعها أوّل النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها به، فأنزل الله عز وجل: " إن الذي يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا ".

7284 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن رجل، عن مجاهد نحوه.

7285 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا) الآية، إلى: " ولهم عذاب أليم "، أنزلهم الله بمنزلة السَّحَرة.

7286 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن عمران بن حصين كان يقول: من حَلفَ على يمين فاجرة يقتطع بها مالَ أخيه، فليتبوَّأ مقعده من النار.

فقال له قائل: شيءٌ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال لهم: إنكم لتجدون ذلك.

ثم قرأ هذه الآية: " إنّ الذين يشترُون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية.

(55)7287 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام قال، قال محمد، عن عمران بن حصين: من حلف على يمين مَصْبورَة فليتبوّأ بوجهه مقعده من النار.

ثم قرأ هذه الآية كلها: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا ".

(56)7288 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: إن اليمين الفاجرة من الكبائر.

ثم تلا " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا ".

7289 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، أن عبد الله بن مسعود كان يقول: كنا نَرى ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ من الذنب الذي لا يُغفر: يمين الصَّبر، إذا فجر فيها صاحبها.

(57)* * *------------------------الهوامش :(44) سياق الجملة: "إن الذين يستبدلون بتركهم عهد الله.

وبأيمانهم الكاذبة.

ثمنًا.

(45) انظر تفسير"اشترى" فيما سلف 1: 311-315 ، 565 / 2: 316 ، 317 ثم 341 ، 342 ، ثم 452 / 3: 328.

وانظر تفسير"ثمنًا قليلا" فيما سلف 2: 565 / 3: 328.

(46) في المخطوطة والمطبوعة: "دون غيرها" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(47) انظر ما سلف 2: 452-454 / 4: 201-203.

(48) هو شمير بن الحارث الضبي ، ويقال"سمير" بالمهملة ، مصغرًا- وهو جاهلي.

(49) نوادر أبي زيد: 124 ، والخزانة 2: 363 ، واللسان (سمع) ، وبعده:لِيَحْمِلَني عَلَى فَرَسٍ, فَإِنِّيضَعِيفُ المَشْيِ, لِلأَدْنَى حَمُولُو"يسمع ما أقول" ، يستجيب ، كقولنا: "سمع الله لمن حمده".

(50) انظر تفسير"التزكية" فيما سلف 1: 573 ، 574 / 3: 88 / 5: 29 = و"أليم" 1: 283 / 2 : 140 ، 377 ، 469 ، 540 / 3: 330 ، وغيرها ، فاطلبه في فهارس اللغة.

(51) الحديث: 7279- أبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسدي.

وهذا الحديث في الحقيقة حديثان: أوله من حديث عبد الله بن مسعود ، وآخره في سبب نزول الآية من حديث الأشعث بن قيس.

والأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي ، صحابي معروف.

والحديث رواه أحمد: 3597 ، 4049 ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، بهذا الإسناد.

ثم رواه بالإسناد نفسه ، في مسند"الأشعث بن قيس" ، ج 5 ص 211 (حلبي).

وكذلك رواه البخاري 5: 53 ، 206 (فتح الباري) ، من طريق أبي معاوية.

ورواه مسلم 1: 49-50 ، من طريق أبي معاوية ووكيع - كلاهما عن الأعمش.

ورواه أحمد مختصرًا ، عن ابن مسعود وحده ، من أوجه أخر: 3576 ، 3946 ، 4212.

ورواه أيضًا ، مختصرًا ومطولا ، في مسند الأشعث بن قيس ، من ثلاثة أوجه أخر ، ج 5 ص 211-212 (حلبي).

وكذلك رواه البخاري من أوجه ، مختصرًا ومطولا ، في مواضع غير الموضعين السابقين 5: 25 ، 207 ، 211 ، و 11: 473 ، 485-490 (وهنا شرحه الحافظ شرحًا وافيًا) ، و 13: 156 ، 364.

ورواه مسلم من وجهين أيضًا 1: 50.

وذكره ابن كثير 2: 172: 173 ، من رواية المسند عن أبي معاوية ، ثم ذكره من روايته الأخيرة في مسند الأشعث بن قيس.

وذكره السيوطي 2: 44 ، وزاد نسبته لعبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وأبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب.

وسيأتي أيضًا: 7282 ، من رواية منصور ، عن شقيق ، وهو أبو وائل ، به ، نحوه.

(52) الحديث: 7280- عدي بن عدي بن عميرة الكندي: تابعي ثقة معروف ، قال البخاري في الكبير 4 / 1 / 44: "سيد أهل الجزيرة".

وهو يروي عن أبيه ، ولكنه روى عنه هنا بواسطة عمه العرس بن عميرة ورجاء بن حيوة.

رجاء بن حيوة - بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة: تابعي ثقة كثير العلم والحديث.

وهو من رهط امرئ القيس بن عابس الكندي صاحب هذه الحادثة.

جدهما الأعلى: "امرؤ القيس ابن عمرو بن معاوية الأكرمين الكندي".

العرس - بضم العين المهملة وسكون الراء وآخره سين مهملة: هو ابن عميرة الكندي ، وهو صحابي ، جزم البخاري بصحبته ، وروى له حديثًا في الكبير 4 / 1 / 87.

وهو أخو عدي بن عميرة ، وعم عدي ابن عدي.

عدي بن عميرة بن فروة الكندي: صحابي معروف ، يكنى"أبا زرارة" ، له أحاديث في صحيح مسلم ، كما قال الحافظ في الإصابة.

و"عميرة": بفتح العين وكسر الميم ، كما نص عليه في المشتبه للذهبي وغيره.

وضبط في طبقات ابن سعد 6: 36 بضمة فوق العين.

وهو خطأ صرف ، فإن اسم"عميرة" بالضم - من أسماء النساء.

وضبط في الطبقات على الصواب في ترجمة أخرى لعدي 7 / 2 / 176.

ووقع في المخطوطة هنا"عدي بن عمير" و"العرس بن عمير" - بدون هاء في آخره فيهما.

وهو خطأ.

والحديث رواه أحمد في المسند 4: 191-192 (حلبي) ، عن يحيى بن سعيد ، عن جرير ابن حازم ، بهذا الإسناد ، نحوه.

ثم رواه ، ص: 192 ، عن يزيد ، وهو ابن هارون ، "حدثنا جرير بن حازم" ، بهذا الإسناد.

ولم يذكر لفظ الحديث كله.

ووقع في نسخة المسند المطبوعة في هذا الموضع سقط قول أحمد: "حدثنا يزيد" ، وهو خطأ واضح.

وثبت على الصواب في مخطوطة المسند المرموز لها بحرف"م".

وذكره ابن كثير 2: 172 ، من رواية المسند الأولى ، ثم قال: "ورواه النسائي ، من حديث عدي بن عدي ، به" ، وهو يريد بذلك السنن الكبرى ، فإنه ليس في السنن الصغرى.

ولذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 178 ، وقال: "رواه أحمد ، والطبراني في الكبير ، ورجالهما ثقات".

وهو في الدر المنثور 2: 44 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، والبيهقي في الشعب ، وابن عساكر.

(53) الحديث: 7281- هذا حديث مرسل ، لم يذكر ابن جريج من حدثه به.

فهو ضعيف الإسناد.

وقول ابن جريج"قال آخرون" - هو ثابت في المخطوطة والمطبوعة.

ولم يذكره السيوطي ، فلعله اختصره.

ومعناه أن ابن جريج كان يتحدث في شأن نزول الآية ، والظاهر أنه تحدث بخبر قبل هذا ، ثم قال: "وقال آخرون" - فذكر هذا الحديث.

ولعله ذكر الآية الماضية: 7279- ، أو الآتية: 7282 ، أو نحو ذلك ، ثم أتى بروايته هذه المرسلة.

وهي ضعيفة الإسناد كما قلنا لإرسالها.

ثم هي ضعيفة لما فيها من منافاة لتينك الروايتين الصحيحتين:أن الخصومة كانت بين الأشعث ورجل يهودي ، وأن اليهودي كان المدعى عليه الذي عليه اليمين ، وأن الأشعث قال: "إذن يحلف".

فهي ضعيفة الإسناد ، ضعيفة السياق.

وهذه الرواية ذكرها السيوطي 2: 44 ، ولم ينسبها لغير الطبري.

وقوله: "فقام الأشعث ليحلف" - هذا هو الثابت في المطبوعة ، وهو الصواب إن شاء الله.

وفي المخطوطة: "فحلف" ، وهو خطأ ، يدل على غلطه قوله بعد"فنكل".

والنكول إنما يكون عند عرض اليمين أو الهم بالحلف.

أما بعد الحلف فلا يكون نكول ، بل رجوع إلى الحق ، أو إقرار به ، ولا يسمى نكولا.

وفي الدر المنثور: "فقال الأشعث: نحلف" - والظاهر أنه تصحيف.

(54) الحديث: 7282- جرير: هو ابن عبد الحميد الضبي.

ومنصور: هو ابن المعتمر.

وشقيق: هو أبو وائل.

وهذا الحديث هو الحديث السابق: 7279 ، بنحوه.

ذاك من رواية الأعمش عن أبي وائل ، وهذا من رواية منصور عن أبي وائل.

وقد بينا تخريجه هناك.

ونذكر هنا أن من روايات البخاري إياه ، روايته في 5: 207 (فتح) ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير بهذا الإسناد.

وكذلك رواه مسلم 1: 50 ، عن إسحاق بن إبراهيم -وهو ابن راهويه- عن جرير ، به ، ولم يذكر لفظه.

ورواه أحمد في المسند 5: 211 (حلبي) ، عن زياد البكائي عن منصور.

ورواه البخاري 11: 473 ، من طريق شعبة ، عن سليمان - وهو الأعمش - ومنصور ، كلاهما عن أبي وائل.

ورواه أيضًا 13: 156 ، من طريق سفيان ، وهو الثوري عن منصور.

(55) الحديث: 7286- هذا إسناد مرسل ، قتادة -وهو ابن دعامة-: لم يدرك عمران ابن حصين ، مات عمران سنة 52 ، وولد قتادة سنة 61.

وسيأتي الحديث عقب هذا بإسناد آخر متصل.

(56) الحديث: 7287- موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، وحسين بن علي الجعفي: ترجمنا لهما فيما مضى: 174.

زائدة: هو ابن قدامة الثقفي ، مضى في: 4897.

هشام: هو ابن حسان.

محمد: هو ابن سيرين.

ووقع هنا في المخطوطة والمطبوعة: "قال محمد بن عمران بن حصين"! وهو خطأ صرف ، حرفت كلمة"عن" إلى"بن".

والصواب ما أثبتنا: "محمد ، عن عمران بن حصين".

وهكذا مخرج الحديث ، كما سيأتي.

وهذا الحديث ظاهره هنا أنه موقوف.

ولكنه في الحقيقة مرفوع ، حتى لو كان موقوفًا لفظًا ، فإنه - على اليقين- مرفوع حكمًا ، لأن الوعيد الذي فيه ليس مما يعرف بالرأي ولا القياس ، ولا مما يدرك بالاستنباط من القرآن.

ثم قد ثبت رفعه صريحًا ، من هذا الوجه:فرواه أحمد في المسند 4: 436 ، 441 ، عن يزيد ، وهو ابن هارون: "أخبرنا هشام ، عن محمد ، عن عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: "من حلف على يمين كاذبة مصبورة متعمدًا فليتبوأ بوجهه مقعده من النار".

ولم يذكر فيه الاستشهاد بالآية.

وكذلك رواه أبو داود: 3242 ، عن محمد بن الصباح البزاز ، عن يزيد بن هارون به ، نحوه.

وكذلك رواه الحاكم في المستدرك 4: 294 ، من طريق يزيد بن هارون ، به.

وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه".

ووافقه الذهبي.

وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 3: 47 ، من رواية أبي داود والحاكم.

وذكره السيوطي 2: 46 ، بنحو رواية الطبري هنا: موقوفًا لفظًا مع الاستشهاد بالآية - ونسبه لعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وأبي داود ، وابن جرير ، والحاكم ، مع اختلاف السياق بين الروايتين ، كما هو ظاهر.

وذلك منه دلالة على أنه لا فرق بين رفعه ووقفه لفظًا ، إذ كان مرفوعًا حكمًا ولا بد.

"اليمين المصبورة" و"يمين الصبر" - قال القاضي عياض في المشارق 2: 38"من الحبس والقهر" ، بمعنى"إلزامها والإجبار عليها".

وقال الخطابي في معالم السنن ، رقم: 3115 من تهذيب السنن: "اليمين المصبورة ، هي اللازمة لصاحبها من جهة الحكم ، فيصبر من أجلها ، أي يحبس.

وهي يمين الصبر ، وأصل الصبر: الحبس.

ومن هذا قولهم: قتل فلان صبرًا ، أي حبسًا على القتل وقهرًا عليه".

(57) الحديث: 7289- هذا إسناد مرسل.

فإن قتادة لم يدرك ابن مسعود.

ولد بعد موته بنحو 29 سنة.

والحديث لم أجده إلا عند السيوطي 2: 46 ونسبه لابن جرير فقط.